المنجي بوسنينة
318
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
إن تحليلات الخليل العلميّة للّغة ينبني كلّها على مفهوم القسمة التركيبيّة على حدّ تعبير أتباع سيبويه ( وهو غير القسمة الأفلاطونية ) من جهة ، وعلى مفهوم تفريع الفروع من الأصول وإمكانيّة ردّ الفروع ( التناظر ) من جهة أخرى . ويجري هذا التفريع بزيادة شيء على الأصل ( وهذا يميّزه عن التفريع في الفقه ) . فالأصل هو أبسط العناصر اللغويّة بالنسبة إلى جميع فروعه ، فتجري عليه عمليات تحويليّة بزيادة قد تكون صياغة جديدة . ففي مستوى الكلم لاحظ المتقدّمون وخاصة الخليل أنّ الكلمة العربيّة تتألّف من أصلين اثنين يندمج أحدهما في الآخر ، وهما المادة الأصليّة المتكونة من صوامت وصيغة الكلمة التي هي « عدد حروفها الأصليّة والزائدة . وحركاتها وسكناتها كلّ في موضعه » ( تحديد الرضي ) . وعلى هذا الأساس حاول الخليل أن يحصر كلّ المواد الأصليّة كما هو معروف بإجراء بعض العمليات التركيبيّة . والمقصود من ذلك هو استقصاء جميع التراكيب التي يحتملها عدد الحروف ثناء وثلاث ورباع . وهذا هو جوهر المنطق العلمي الذي انتهجه المتقدّمون من اللّغويين والنحاة العرب ، وهو منطق لا يمتّ بسبب إلى منطق أرسطو الذي بني أساسا على القسمة الأفلاطونيّة ( التي تبنى كلّها على التحديد بالجنس والفصل واندراج الشيء في الشيء ) . ومن أهمّ المفاهيم التي انتهى إليها الخليل رياضيا مفهوم « وجوه التصرف » . فلقد ورد في مقدّمة كتاب العين [ 1 / 59 ] : « اعلم أنّ الكلمة الثنائيّة تتصرّف على وجهين نحو : قد ، دق شد ، دش والكلمة الثلاثيّة تتصرّف على ستّة أوجه ، وتسمى مسدوسة ، وهي نحو : ضرب ، ضبر ، برض ، بضر ، رضب ، ربض والكلمة الرباعيّة تتصرف على أربعة وعشرين وجها ، وذلك أنّ حروفها وهي أربعة أحرف تضرب في وجوه الثلاثي الصحيح ، وهي ستة أوجه ، فتصير أربعة وعشرين وجها ، يكتب مستعملها ويلغى مهملها ( . . . ) ، والكلمة الخماسيّة تتصرّف على مائة وعشرين وجها ، وذلك أنّ حروفها ، وهي خمسة أحرف ، تضرب في وجوه الرّباعي ، وهي أربعة وعشرون حرفا ، فتصير مائة وعشرين وجها يستعمل أقلّه ويلغى أكثره » . وبهذا كان الخليل أوّل من أقام أسس الجبر التركيبي . فقد أثبت وجود ما يسمّيه الرياضيون الآن « العاملي » ( factorial ) ، وهو هذا الذي يسمّيه الخليل « وجوه التصرّف » ، وقد مثل لهذه العمليات لأوّل مرّة في التاريخ بدائرة تمثّل فيها جميع الاحتمالات لتراكيب الثلاثي طردا وعكسا ( بجعل اتّجاهين متقابلين فيها ) ، وكلّ حرف في الدائرة يمكن أن يكون منطلقا أو مبدأ لتركيب آخر يسمّى في العروض بالمفكّ . وهذه الدائرة هي ما يسمّى في عصرنا ب ( cyclic group ) فعمليات التركيب وجميع التقاليب تكوّن زمرة ( Group ) . ونفس الأسلوب التركيبي يجريه الخليل على البحور الشعرية واحتاج في ذلك إلى خمس دوائر . [ تصوير ]