المنجي بوسنينة

274

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

إلا من أوتي حظّا عظيما من الدين والفضل والثقافة . وتجمع المصادر على أنه كان إماما في المروءة ومكارم الأخلاق وتوثّقت صلته بعدد غير قليل من أعيان عصره . حفظ القرآن الكريم وقدرا كبيرا من الحديث الشريف ، وجالس العلماء ، وقرأ الأسفار ، وغشي الديوان ، فأتقن الكتابة وحذق أصول العمل بالدواوين . وإلى جانب هذه البيئة الخاصة التي نشأ فيها ، كانت البيئة العامة بيئة ثقافية أيضا ، حيث شهد عصره نشاطا ثقافيا وفكريا واسع النطاق ، وتجلّت مظاهره في بناء المدارس ، وإنشاء المكتبات ، وعمارة المساجد ، واحتضان الحكام للعلماء والأدباء ، إلى غير ذلك من المظاهر التي أسفرت عن نشاط جمّ في التأليف ، والموسوعي منه بخاصة . أوتي استعدادا فطريا وميلا غريزيا نحو العلم والمعرفة ، وتمتع بحافظة قوية أعانته على الإلمام بفروع معرفيّة شتّى ، كما ساعده على ذلك صلته الوطيدة ببعض علماء عصره ، وفي مقدمتهم ابن دقيق العيد ( ت 702 ) الذي يعد من شيوخ عماد الدين ، فقد قرأ عليه « إحكام الأحكام في شرح أحاديث سيد الأنام » . عمل في ديوان الإنشاء ، فتولّى كتابة السرّ للسلطان الأشرف عقب وفاة والده تاج الدين سنة 691 ه . ولم يدم عمله في الديوان طويلا إذ غادره في العام التالي زهدا في الوظيفة وتفرغا للعبادة ، وفقا لكل المصادر باستثناء « بروكلمان » الذي يرى أنه ترك الديوان بعد أن دبّ الخلاف بينه وبين السلطان الأشرف وهما في دمشق ، فعاد عماد الدين إلى القاهرة وانضم إلى « بيدرا » الذي قتل الأشرف سنة 692 ه ، ولكنه أخفق في الاستيلاء على السلطة ففقد عماد الدين منصبه . وما يراه بروكلمان يصعب التسليم به فهو لا يتّفق مع ما عرف به عماد الدين من ورع وزهد ، كما أن الناصر قلاوون الذي خلف الأشرف كان على علاقة طيبة به ، وظلت هذه العلاقة حتّى صحبه إلى الشام لقتال التتار سنة 699 ه ، وهناك استشهد عماد الدين في معركة حمص عن عمر لم يتجاوز السابعة والأربعين . وقد احتفى بالثقافة العربية والإسلامية احتفاء جعله ينظر إلى القرآن والحديث على أنهما « معدن للفصاحة والبلاغة » . وكانت وصيّته للناشئة أن يحفظوا القرآن وجملة من الحديث ، وأن يعرفوا شيئا من الفقه والتفسير ، وعليهم قبل ذلك أن يتصلوا باللغة والأدب . وتجلّت ثقافته الإسلامية في محفوظه ، فإلى جانب حفظه للقرآن واستشهاده بكثير من آياته حفظ خمسمائة حديث كان يضمها كتاب عمدة الأحكام للجماعيلي ، كما تجلّت في تأليف كتاب في السنّة « إحكام الأحكام » في شرح كتاب عمدة الأحكام من كلام سيد الأنام . أما ثقافته الأدبية واللغوية فيدل عليها ممارسته الإبداع شعرا ونثرا ، وإجادته تحرير الرسائل . وقد ضمن كتابه « الكنز » نماذج من إبداعه النثري . ولعل هذه الثقافة تتضح على أكمل وجه في هذا الكتاب . وهو الأثر الباقي له في صورة مختصرة . أما بقية مؤلفاته فهي ما بين مفقود أو مشكوك في نسبتها إليه . من المفقود كتابه في السنة - وقد أشرنا إليه - وكتابه في التاريخ « عبرة أولي الأبصار » في مجلّدين ، ذكره غير واحد . وقد