المنجي بوسنينة

272

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

المؤلّفات التي ترسم الطريق لمن يريد أن يتولّى هذه الصناعة ، فألّف الشهاب محمود « حسن الترسل » ، وكتب القلقشندي « صبح الأعشى » ، وصنّف عماد الدين بن الأثير « كنز البراعة » . واتجه بعضهم إلى الاختصار والتلخيص ، سواء لما كتبه هو كالقلقشندي الذي اختصر صبح الأعشى في مختصر سمّاه « ضوء الصبح المسفر » ، أو لما صنّفه الآخرون مثل ابن منظور الذي اختصر مصنّفات كثيرة كالأغاني ، وزهر الآداب ، ويتيمة الدّهر ، والذخيرة ، وتاريخ ابن عساكر وغيرها ، ومثل نجم الدين الذي اختصر الكنز . وربّما كان وراء هذه الظاهرة بعض البواعث ، لعلّ من أهمّها تيسير العلم أمام الطلّاب وتوفير الوقت والجهد الذي تحتاج إليه المصنّفات الضخمة ، فضلا عن أنّ اتساع رقعة الدولة وكثرة تنقّل العلماء في أرجائها اقتضت أن تكون الكتب في حجم يسهل حمله ، أضف إلى ذلك خوف العلماء من ضياع الأصول المطوّلة وحينئذ يستعاض عنها بالمختصرات . ويبدو أنّ الباعث على اختصار الكنز هو تيسير الانتفاع به . وقد أفصح عن ذلك نجم الدين في قوله : « ولقد وجدت فيه إسهابا على من يروم حفظه أو يقيّد لفظه ، فقصدت اختصاره رغبة في سهولة تناوله واقتصرت منه على ذكر ما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من العلوم والفضائل ليعدّ كاتبا » . ثمّ يشير إلى منهجه في الاختصار فيذكر أنّه أعرض عن « ذكر الشواهد والاختلاف في الحدود والإيرادات التي ترد على المسائل ، والشكوك التي تلقى عليها من غير أجوبة عنها ، والبحوث التي تقتضي المجادلات في الكلام من غير وقوف عند حدّ فيها يجمع على الوقوف عنده مع غاية الاختصار الذي يحلّ بما يحتاج إليه ، ولا يملّ عند مطالعته » [ جوهر الكنز ، ص 28 ] . ويتّضح من ذلك أنّ الكنز كان كتابا ضخما ضمّ كثيرا من الأمور التي تخلق في الطالب قدرة على الجدل والمحاجّة ، وتعدّه الإعداد الواجب فيمن يتصدّى لهذه الصناعة ، إضافة إلى شواهد كثيرة حذفت رغبة في الإيجاز ، وقد أكّد نجم الدين على أنّه حذف كثيرا منها في غير موضوع ، فمن أراد « فليطلبها في كتاب الكنز » . ويدلّ ما صنعه نجم الدين على التطوّر السريع في النظرة إلى ما ينبغي أن يقدّم للطالب ، فما عدّه إسهابا كان في رأي والده اختصارا . يقول : « والشواهد في هذا الباب كثيرة غير أنّا نقصد الاختصار ، وليكون أسهل على حفظه ، ولولا خوف الإطالة لذكرنا من محاسن شعر ابن حيوس ما هو أكثر من ذلك » . وربّما دلّ أيضا على ما بين الأب وابنه من بون في الثقافة . ولكن ذلك لا ينال من نبل الغاية التي أراد الابن تحقيقها وهي التيسير على طالب صناعة الإنشاء . والحقّ أنّ الكتاب في صورته المختصرة يضمّ من أصول هذه الصناعة ومن الشواهد عليها ما يعمل على إعداد طلّابها إعدادا جيّدا ، فهو جامع لفنون القول ، وصورة صادقة للطوق الفنّي في صنعة الشعر والنثر في القرنين السابع والثامن في مصر والشام ، وهو - مع اختصار شواهده - لا يزال حافلا بالنصوص الشعريّة الرفيعة التي أبدعها شعراء