المنجي بوسنينة
205
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
عصورهم بمصنفاته ، وأكثروا من إيراد أقواله في الأصول والفروع ممّا يؤذن بإمامته ورسوخ قدمه فيهما ، فقد نقل عنه أبو الوليد الباجي ، وشهاب الدين القرافي آراء أصوليّة يعرب بعضها عن نظر فسيح وفهم جيّد للمسائل ، وبعضها عن رحابة صدر واستقلال نظر ، إذ تحرّر فيها صاحبها من التزام المذهب والتعصّب لأنصاره ، ونصر ما رجّحه الدليل وشايعه المنطق ، فمن الأوّل القول بأنّ إجماع أهل المدينة حجّة في المسائل التي طريقها النقل ، واتّصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله ، أمّا ما نقلوه من السنن من طريق الآحاد ، وما أدركوه من الاستنباط والاجتهاد فلا فرق فيه بين علماء المدينة وعلماء سائر الأمصار في أن العمل بما عضده الدليل والترجيح [ إحكام الفصول ، ص 414 ] ، والقول بأنّ « القياس مقدّم على خبر الآحاد » [ الذخيرة ، ج 10 ، ص 87 ] ، ومن الثاني قوله « لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب » وإليه ذهب المعتزلة وأبو إسحاق المروزيّ من الشافعيّة خلافا لما عليه أكثر المالكية نحو أبي تمّام ، وابن نصر ، وابن خويز منداد ، والقاضي أبي بكر [ إحكام الفصول ، ص 219 ] ، وقوله « الأشياء في الأصل على الحظر » خلافا لما عليه أكثر المالكية من أنّ « الأصل في الأشياء على الوقف » [ إحكام الفصول ، ص 608 - 609 ] ، ونقل عنه تلميذه ابن الجلّاب مستنبطات تؤذن أيضا بقوّة نظره ، واستقلال رأيه في الفروع فممّا ورد في التفريع : 1 - الجمع بين غسل الجنابة وغسل الجمعة : هذه المسألة مخرّجة غير منصوصة ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهريّ وبقوله أقول [ ج 1 ، ص 210 ] . 2 - من قلّد هديه وأشهره ثمّ حدث به عيب أجزأه ولم يجب عليه بدله ، وقال الأبهريّ : القياس أن يبدّله ومن عطب هدية الواجب قبل محلّه أو بعده وقبل نحره فعليه بدله [ ج 1 ، ص 333 ] . 3 - في الأنف الدية ، وفي الشمّ الدية ، وإذا ذهب الشمّ والأنف جميعا ففيهما ديّة واحدة قاله ابن القاسم ، وقال أبو بكر الأبهريّ : والقياس عندي أن يكون فيهما ديتان [ ج 2 ، ص 214 ] . 4 - من غصب دراهم فوجدها ربّها بعينها وأراد أخذها فأبى الغاصب أن يردّها وأراد ردّ مثلها ، فذلك إلى الغاصب دون ربّها ، قاله ابن القاسم وقال الأبهريّ : ذلك لربّها دون غاصبها [ ج 2 ، ص 279 ] . وقد عني المالكية بشرحه لمختصر ابن عبد الحكم ، ونقلوا منه فروعا كثيرة مما يدلّ على علوّ منزلة هذا المصنّف في الفقه ، وكثرة تداوله بينهم ، فقد ورد في المقدّمات لابن رشد : « ذكر أبو بكر الأبهريّ في الشرح أنّه ( أي ترك الكلام في الصلاة ) سنة ، وبناه على أصلين في المذهب » [ ج 1 ، ص 162 ] وورد في الذخيرة للقرافي ما نصّه : « قال الأبهريّ في شرح المختصر : إذا تزوّجها في عدّتها جاهلا ، ثمّ علم بذلك وأصاب في العدّة حرمت عليه أبدا ، فإن لم يصب فله تزوجها بعد العدّة بعقد جديد » [ ج 4 ، ص 198 ] وورد فيها أيضا : « وقال ابن الجلّاب إن أراد الآذان فأقام أو أراد الإقامة فأذّن أعاد حتّى يكون على نيّة لفعله ويستمرّ عليها ، فيحتمل أن يريد نيّة التقرّب لأنّه قربة من القربات ، وقد صرّح