المنجي بوسنينة
136
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
فإمام الجميع حينئذ في الدين على المطلق هو جابر بن زيد في مرحلة الكتمان تلك التي كان يعيشها المسلمون ( المحكّمة ) : « فكانت سيرة المسلمين ( المحكّمة ) بعد أهل النّهروان واحدة وكلمتهم جامعة ، غير أنّهم كانوا مقهورين في دار تقيّة بين ظهراني الجبابرة » . وإن لم تذكر المصادر مشاركة الإمام جابر بن زيد في صفّين والنّهروان فإنّها تذكر أنّه كان قد أتى عائشة أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها مع أبي بلال واستتاباها عن موقفها مع طلحة والزبير في معركة الجمل فتابت [ الدرجيني ، 2 / 206 ] . وفعلا فقد ظلّ الإمام جابر بن زيد يرسي أسس مسالك المسلمين عقديّا وسياسيا وشرعيّا وظلّ الكلّ لا يتحرّكون إلّا بمشورته ، وطبيعي والحال هذه أن تبرز عناصر على الواجهة العلنيّة تجاه الأحداث الكبرى في دولة بني أميّة . ومن ذلك بروز عروة بن أدية ( 58 ه / 678 م ) ، وهو أوّل من قال : لا حكم إلّا للّه ، فجيء به إلى زياد بن أبيه ، فسأله عن أبي بكر وعمر فقال خيرا ، وسأله عن عثمان وعلي فأثنى على عثمان في ستّ سنين وشهد عليه بالكفر ( كفر نعمة لا كفر شرك ) في البقيّة ، وأثنى على علي إلى يوم التحكيم ثم كفره ، فسأله عن نفسه فأغلظ له فأبقى عليه إلى أن كانت أيام عبيد اللّه بن زياد ( 67 ه - 686 م ) فقتله [ الدرجيني ، طبقات ، 2 / 214 - 225 ] . ومن ذلك خروج أبي بلال مرداس بن حيدر ( 61 ه - 680 م ) وهو أخو عروة ، شاريا : « إلّا من وجد منهم روح الجهاد فنهض إليه حتّى يستشهد رحمهم اللّه ، فخرج أهل النخيلة . . . ثم المرداس . . . » . وقد أذاع في الناس أنّه لم يخرج ليفسد في الأرض ولا ليروع أحدا ، ولكن هربا من الظلم ، وأنّه لا يقاتل إلّا من يقاتله ، فوجّه إليهم عبيد اللّه بن زياد جيشا كبيرا فهزموه في آسك ، فوجه إليهم جيشا ثانيا بقيادة عباد بن علقمة المازني فقتلهم غدرا بعد أن توادعوا لأداء الصلاة [ الدرجيني ، طبقات ، 2 / 214 ، 225 ] . ثمّ بعد ذلك استقرّ الرأي بالإجماع على ضرورة الدفاع عن بيت اللّه الحرام « فقاتلوا مع ابن الزبير وهم لا يرون نصره ، ولكنّهم احتسبوا في جهاد أهل الشام » وكان ذلك سنة 63 ه - 682 م . والملاحظ أن جميع المصادر الإباضية وغير الإباضية تتفق على مشاركة عبد اللّه بن إباض في هذا الحدث إلى جانب بقية رؤوس المحكّمة ، مما يؤكد أنّه كان له دور قيادي بدون منازع . ولا نغفل هنا عن التذكير بأنّه « يصدر في أفعاله وأقواله عن الإمام جابر بن زيد » . وفعلا عندما انسحب الجيش الشّامي عقب موت يزيد بن معاوية حاول ابن إباض ومن معه من المحكّمة إقناع ابن الزّبير بوجهة نظرهم ، ووعدوه بالنصرة والمساعدة إن وافقهم ، لكنّه أبى إلّا أن يبقى على عثمانيّته فتخلّوا عنه . وما إن رجعوا من الحجاز إلى البصرة حتّى التقطهم ابن زياد وسجنهم « كان في سجن عبيد اللّه بن زياد نافع بن الأزرق . . . وعبد اللّه بن إباض . . » إلى أن وثب النّاس بابن زياد فكسّر الخوارج أبواب السجون [ الطبري ، 5 / 566 ] .