المنجي بوسنينة
117
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
المثنّى ، وروى الأخبار في آخر عمره بالبصرة . وأما في بغداد فقد كتب الآمدي لأبي جعفر هارون بن محمد الضبي خليفة أحمد بن هلال صاحب عمان بحضرة المقتدر باللّه ووزارته ، كما كتب لغيره من بعده دون تحديد لأسماء بعينها . وقضى الآمدي المرحلة الأخيرة من حياته بالبصرة حيث مارس الكتابة قبل أن يتخلى عن المهام الرسمية ويلزم بيته إلى أن مات . أجمع رواة أخباره على براعته في الكتابة ودرايتة بالأدب ورواية الشعر وأخبار الشّعراء ، كما اعتبر شاعرا جيّد الصنعة مسرفا في استعمال التشبيهات ، وينسب إليه ديوان شعر ، وربما كانت شاعريّته وراء عنايته بدراسة أشعار المتقدّمين وأحد دوافعه إلى نقدها . كما عرف بحرصه على تتبّع أحوال معاصريه ، وربط ما يسمع من أخبارهم بما نقل من أخبار السّلف ، وتقييد ما عرف عن أهل عصره من النوادر والفكاهات ، إلى جانب كثرة من الأخبار والمرويّات . ولا شكّ في أن قيمة الآمدي تتمثّل في عمله النقدي المتمثّل في مصنّفاته النقديّة ، وخاصة في كتابه « الموازنة بين أبي تمام والبحتري » فهذا الكتاب من أهمّ كتب النقد في القرن الرابع للهجرة ، ألّفه الآمدي ليوازن بين البحتري وأبي تمام بعد أن احتدم الصّراع بين أنصارهما ، وتعالت الأصوات في المجالس ومعاهد الدرس ، وقد وفّق في موازنته إلى حدّ كبير إذ كان « حسن الفهم ، جيّد الدّراية والرّواية سريع الإدراك » [ معجم الأدباء ، 3 / 54 ] ، واسع الثقافة ، وكان متقنا العربية وأساليبها ، وعارفا ثقافات عصره . كان الآمدي معجبا بشعر الطائيين ، وألّف كتابه ليظهر محاسن كل شعر ومساوئه ، وقد تكلم على مذهبيهما في الشعر وما قيل فيهما . ويبدو أنه كان يميل إلى شعر البحتري ويفضّله ، وإن قال إنه لا يريد أن يفضّل أحدهما على الآخر وإنّما يقارن بين قصيدة وقصيدة من شعرهما إذا اتفقا في الوزن والقافية وإعراب القافية ، وبين معنى ومعنى ، ثمّ يعطي الحكم في أيّ الشاعرين أشعر في تلك القصيدة وفي ذلك المعنى . ولم يقتصر الكتاب على هذه الموازنة . وإنّما أودع فيه الآمدي كثيرا من القضايا النقدية . ومن ذلك « عمود الشعر » الذي انتهى تحديده في كتاب « شرح الحماسة » للمرزوقي . وحدّد مفهوم الشعر ، ورسم معالم النّقد ، وأولى اللغة والنحو عناية كبيرة . وتدلّ ملاحظاته وتعليقاته على ثقافة واسعة في اللغة ، ووقف طويلا عند فنون البلاغة التّي اتّخذ منها معيارا لنقده وموازنته فتحدّث عن المجاز ، والاستعارة ، والتشبيه ، والكناية ، والجناس ، والطباق ، والسرقات الشعريّة التّي كانت من أهمّ القضايا التي عالجها النقاد منذ عهد مبكّر . ولا شكّ في أن الآمدي كان من كبار نقّاد عصره وأعلام النّقد القديم فقد خرج بالنقد العربي لأوّل مرّة من نطاق الجزئيّات إلى مجال النظريّات المترابطة ، ففي كتاب الموازنة طرح نظري وآخر تطبيقي يتجاوز منطق الأحكام العامّة ليقف عند الأحكام التفصيليّة مع جنوح واضح إلى تعليلها ورغبة في الاعتدال في الحكم . وكان يدرك أنّ للنقّاد حاسّة فنية متميّزة تأتي