المنجي بوسنينة

114

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

بعد اكتمال التحصيل العلمي للآمدي ، انتقل إلى الديار المصرية ، وانتصب للتدريس بها ، حيث تولى التدريس والإعادة بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي بالقرافة الصغرى ، والمسجد الظفري بالقاهرة ، وتلقّى عنه الناس وطلبة العلم ، وتخرج عنه جماعة منهم ، ونظرا للمكانة والشهرة التي حصل عليها بمصر ، فقد حسده جماعة من الفقهاء واتهموه في عقيدته ، فنسبوه إلى فساد العقيدة وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء ودين الأوائل ، وكتبوا محضرا بإباحة دمه . ويروى أنّه عندما حمل مناوؤوه المحضر إلى أحد الفقهاء الفضلاء لتوقيعه كتب في المحضر : حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه * فالقوم أعداء له وخصوم وهكذا اضطرّ الآمدي إلى مغادرة الديار المصرية متخفّيا نحو الشام ، حيث استوطن مدينة حماة ، وصحب الملك الأيوبي أبا المعالي المنصور إلى أن توفي سنة 617 ه / 1219 م [ عيون الأنباء ، 650 ] وتولّى التدريس بالمدرسة المنصورية ، وصنف عددا من كتبه . وبعد وفاة الملك أبي المعالي المنصور تمّ اضطهاد الآمدي ، فانتقل إلى دمشق متخفيا على ما ذكره الخوانساري [ روضات الجنات 1 / 271 ] حيث استقبله الملك المعظم وأسند إليه التدريس بالمدرسة العزيزية ، ثم عزل عنها بعد وفاته من طرف الملك الأشرف الذي قرر أن لا يدرس بالمدارس إلّا التفسير والفقه والحديث ، وأن يتم نفي كل من اشتغل بعلوم الأوائل ، فأقام الآمدي بمنزله إلى أن توفي يوم الثلاثاء رابع صفر من سنة 631 ه / 1233 م ، ودفن بسفح جبل قاسيون بدمشق . تتلمذ على الآمدي وأخذ عنه العلوم المئات من الناس ، اشتهر منهم العز بن عبد السلام ، الذي قال عنه : « ما تعلمنا قواعد البحث إلّا منه » [ الشذرات ، 5 / 144 ] ، وابن أبي أصيبعة ، والدخوار الطبيب ، وأبو نصر الجزيري ، وأبو شامة المقدسي ، وابن يللبخت الجزولي البربري المراكشي . ويقول عنه المؤرخ ابن كثير الدمشقي إنّه « كان حسن الأخلاق ، سليم الصدر ، كثير البكاء ، رقيق القلب ، وقد تكلّموا فيه بأشياء اللّه أعلم بصحّتها ، والذي يغلب على الظنّ أنّه ليس لغالبها صحّة » [ ابن كثير ، البداية والنهاية ، 13 / 151 ] . ويقول عنه معاصره وزميله في الشام سبط الجوزي : « كان يظهر منه رقة قلب وسرعة دمعة » [ الجوزي ، مرآة الزمان ، 8 / 691 ] . آثاره ألّف الآمدي حوالي عشرين تصنيفا في الأصول وغيرها ومنها : 1 - الإحكام في أصول الأحكام ، نشر بالقاهرة سنة 1347 ، وأعيد نشره مرارا ، يعدّ هذا الكتاب أهمّ مؤلفات الآمدي ومن أهمّ كتب أصول الفقه ، وينقسم إلى أربعة أبواب يسمّيها المؤلف بالقواعد وهي على التوالي : ( أ ) في تحقيق مفهوم أصول الفقه ، وتعريف موضوعه وغايته ، وما فيه من البحث عنه من مسائله ، وما منه استمداده ، وتصوير مبادئه ، وما لا بدّ من سبق معرفته قبل الخوض فيه . ( ب ) في بيان الدليل الشرعي وأقسامه ( القرآن ، السنة ، الإجماع ) وما يتعلّق به من أحكامه . ( ج ) في المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين .