ابراهيم السيف

278

المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم

سمعت فمن أسرته ومعاصريه من أحاديث ، وأما ما قرأت فكتبه وما وصل لديّ من أوراق هنا وهناك : كان رجلا وقورا مهيبا يجله المرء لأول نظرة ؛ فإذا تحدثت إليه ازداد في نفسك مهابة ؛ يظل صامتا فإذا تكلّم سكت المجلس كلّه وأصغى الجالسون جميعا إجلالا ومهابة ، ثمّ إنهم يجدون عنده الحكمة الصائبة ، والمثل الصادق ، والتجربة النافعة ، إلى ما كان له من علم ، وفضل ، ورياسة ، وسيادة ، ثمّ هو محطّ آمال أهل بلدته ، ووسيلتهم في ردّ المظالم ، وتخليص الحقوق ، حتّى من اللصوص وقطاع الطرق الّذين كانت تلك مهنتهم ووسيلة عيشهم في صدر حياته . وعندما تضمّه مجالس العلماء والملوك والأمراء وسادة القوم : فإنه يكون فيها موضع العناية والتقديم والتقدير . وكان نديما محببا لدى الملك فيصل - إذا اجتمعت فيه صفات النديم - فهو حلو الحديث ، حاضر البديهة ، مليح النكتة ، راوية للأخبار والأشعار ، عالم بالأنساب ، خبير بالأماكن والبقاع ، ثمّ هو بعد ذلك كلّه شاعر ينظم بالفصحى والعامية ، وفوق هذا وذاك : كان خبيرا بمداخل الأمور ومخارجها ، ماهرا في معرفة ما يرتاح له محدثه ، وما لا يرتاح له ، يتفرّس الوجوه ويستخبر النظرات ، ويستوحي الإيماءات والإشارات . ومن هنا كان له المركز المقدّم في تلك الندوات الّتي كان يعقدها الأمير فيصل للشعراء ، تلك الندوات الّتي وصفها أحد