ابراهيم السيف
269
المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم
رسلا للإنسانية ، وزعماء للإصلاح في مختلف نواحي الحياة ، بما أوحي إليهم دينهم وما حباهم اللّه به من فطرة صافية ، ومنطق عذب ، وقوة دائبة يباركها الإخلاص في نشر ذلك المبدأ السّامي العظيم ، حتّى دانت لهم المشارق والمغارب ، وأحدثوا ذلك التطور الخطير المفاجئ في العقيدة ، والتفكير ، والاجتماع . قال عطاء بن أبي رباح فقيه الحجاز لما وفد على سليمان بن عبد الملك : يا أمير المؤمنين ، إن أهل الحجاز ونجد هم أصل العرب ، ومادة الإسلام ، دوّخوا الجبابرة ، وفتحوا الأمصار ، وأعزّ اللّه بهم الإسلام ، وأحبّ أن تضع صدقاتهم في فقرائهم فأعطاه ذلك . وإذا كنا نعتبر الآثار المادية شواهد ناطقة على ما وصلت إليه الأمم من تقدم في الصناعة ، والذوق ، ومقاييس الحياة ، فيجدر بنا أن ننقب عن البيئات الطبيعية - بقدر الإمكان - بل نشاهدها عيانا - إذا استطعنا ذلك - لنقف على مدى ما أثّر في الفكر العربيّ في تلك العصور ، ولنكشف تلك المساتير المغلقة ؛ فلا تظلّ مطوية على تعاقب الأجيال ، فقد نجد في دراسة تلك البيئات ومشاهدتها واستيحائها ثروة فكرية لا يقدر قدرها . ومثل علماء الفكر كمثل علماء الطبيعة والاقتصاد ، يجد كلّ واحد منهما بغيته في بحثها . ألم تر إلى الجزيرة العربيّة نفسها في العصر الحاضر وقد اكتشفت في أحشائها من معادن مطمورة لفتت إليها الأنظار بعد أن