ابراهيم السيف
312
المبتداء والخبر لعلماء في القرن الرابع عشر وبعض تلاميذهم
بعده بقليل ، لقد عشنا في زمن حمد الجاسر ، وإن التّاريخ ليصغر ويصغر عند أقدام العظماء حتّى يكون العظيم تاريخا يؤرّخ التّاريخ فيه . مات حمد الجاسر ؟ فهوت ثلاث وتسعون سنة ما اهرقها صاحبها على عتبات شهيرة ، ولا في طلاب بهرج زائف مما يغري بهذه الأنفس الضعيفة ، ثلاث وتسعون سنة كانت خالصة كلها للعلم ، فالأنفس الكبيرة ليس يغيرها في هذه الحياة إلا ما هو كبير ، وليس أكبر من معنى العلم في أنفس الكبار ، لست أنسى ما حييت مرة سألته عن هذا المسلك الوعر الذي اختطه لنفسه ، مواضع وأنساب ورحلات ولغة ومخطوطات ، وكان من معنى كلامه : السهل كلّ أحد يستطيعه ولكنّ الصعب هو الذي يحتاج إلى أن ينذر الإنسان له نفسه ، وهنا تكون الإرادة . فقلت : أسأل اللّه أن يهبنا ربع إرادتك يا شيخ . فابتسم وقال : هذه دعوة مستجابة إن أردت . مات حمد الجاسر مات أحقا مات أنا لست دالفا « 1 » إلى تلك الصالة الّتي تكدّست على مائدتها أكوام الكتب . إلى آخر ما ذكر . وكتب في نفس الجريدة والعدد محمّد قدس بعنوان : « علّامة الجزيرة وداعا » قال : رحمه اللّه علامتنا ومفكرنا الكبير ، فقد كان كبيرا بعلمه وخلقه وتواضعه وعزته وتفاخره بعلمه الذي وهبه اللّه إياه وشكر نعمته وفضله حين نال جائزة الدولة التقديرية في الأدب ، وكان
--> ( 1 ) الدلف : المشي رويدا مع مقاربة الخطو .