فؤاد سزگين

17

تاريخ التراث العربي

العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف ، ثم إنه تقرّأ ( أي تنسّك ) فأحرقها كلها . » « 53 » وبالإضافة إلى ما نقل عن مصنّفه « كتاب الأمثال » يبدو أن نقولا كثيرة من تأليف آخر له أو أكثر في اللغة قد حفظت لنا في مؤلفات للغويين متأخرين ( انظر ص 51 بعد ) . وبوسعنا إذن أن نتصور أن ثمة كذلك لغويين آخرين من ذلك العصر المتقدم . لا نعرفهم ، قد ساهموا بمصنفاتهم في تطور المعاجم . « 54 » وقد كان للعلماء المعروفين « بفصحاء الأعراب » دور ذو أهمية خاصة في نشأة المعاجم العربية . والنظر إليهم على أنهم بدو كانوا يجهلون القراءة والكتابة ، يناقض أخبار المصادر التي تذكر تآليفهم المفردة وكتبهم في النوادر ( انظر ص 24 وما بعدها ) . ولأبى خيرة نهشل بن زيد ، وهو أحد متقدمى فصحاء الأعراب ، كتابان معروفان ، هما : « كتاب الحشرات » و « كتاب الصّفات » . والظاهر أن الكتاب الثاني الذي جاءنا منه عدد كبير من النقول ، كان معجما لا يزال ضئيلا ، إلّا أنه رتّب على الموضوعات ( انظر ص 28 بعد ) . ومن جهة سعة المجالات المدروسة فإن تصنيف المعاجم العربية قد بلغ مرحلة جديدة بنشوء كتب النوادر . وقد استطاع مصنّفو هذه الكتب أن يدخلوا فيها مادة غزيرة دون أن يلزموا أنفسهم مراعاة نظام بعينه . وقد سلكت طائفة من علماء اللغة المتقدمين كأبى عمرو بن العلاء ( انظر تاريخ التراث العربي 2 / 86 ) وأغلب فصحاء الأعراب سبيل هذا النمط من المؤلفات العربية التي كانت في الوقت ذاته مجموعة من مادة الشعر . إن عملية التصنيف ، أي العرض المرتّب للمادة كلها التي كانت تعالج حتى ذلك الحين في تآليف مفردة أو على نمط كتب النوادر من غير تبويب ، قد بدأت حوالي منتصف القرن الثاني للهجرة / الثامن للميلاد مثلما بدأت في كثير غيرها من مجالات العلوم النظرية . ويمكن أن يكون ترتيب المادّة اللغوية بحسب الدلالة أسبق زمانا من ترتيبها بحسب الموضوعات .

--> ( 53 ) البيان والتبيين للجاحظ 1 / 321 . ( 54 ) انظر : حسين نصار ، المعجم العربي ، الجزء الأول ، القاهرة 1968 ، ص 206 .