فؤاد سزگين

216

تاريخ التراث العربي

لما جمعت من معلومات أكثر من أي دراسة أخرى ، وإن كنا نتحفظ ، لأسباب ستشرح فيما بعد ، تجاه بعض استنتاجاته . ويقتضي الحال ، عند دراسة موضوع علوم جابر ، إبراز الحقائق التي تفيد أن المؤلف يبرز في كتبه على مستوى عال وأن اهتمامه شمل فروع العلوم الإنسانية في وقته جميعها تقريبا ، وأنه يبدو وكأنه أحاط بها وألّم بتطور فروع العلوم وأنه حاول ، انطلاقا من آخر مستوى بلغه التطور ، أن يبين رأيه فيه انتقادا وتطويرا . وبالنسبة للإجابة على السؤال المتعلق بأصل علوم جابر ومصادره الأدبية ، ففي المجموع ذاته إمكانات عديدة : المصادر والمراجع والأساتذة والعلماء المعاصرون له ، الذين لطالما ذكروا بجلاء يفوق ما في الكتب الأخرى من ذلك العصر . إن أهمية المعلومات المتوافرة بالنسبة لمناقشة هذا الموضوع وبالنسبة لدراسته في إطار تاريخ العلوم الإسلامية ، تتعلق بالطبع فيما إذا كان زمن التصنيف المذكور في الكتب ذاتها ، إذا كان زمنا مسلما به . فلقد غدا هذا الزمن وبعد عام 1930 م - وليس خلال الدراسات التي أجريت قبل ذلك - زمنا مشكوكا فيه ، بل حدد زمن نشأة المجموع خلال حقبة زمنية تمتد من منتصف القرن الثالث / التاسع إلى منتصف القرن الرابع / العاشر ، بدلا من القرن الثاني / الثامن . فضلا عن ذلك ، فقد عدّ تصنيف المجموع من عمل مدرسة نظامية لا من تصنيف مؤلف واحد هو جابر ( انظر بعده ص 250 ) . وكما سيبين فيما بعد بالتفصيل ، فإن هناك نوعين رئيسيين من الأسباب اضطرا كراوس ، الذي يعد أكثر من اشتغل بدراسة أعمال جابر ، اضطرّاه أن يحدد زمن التصنيف نحو مائة سنة بعد الزمن الذي تحدده الرواية . أولا : لقد اعتقد بوجود ما يشير في النصوص إلى مرحلة متأخرة من تاريخ علم وفكر الإسلام . ثانيا : لقد وجد نموذج عالم ، هو جابر ، « بأصالة واستقلالية عظيمتين » ووجد أن مجمل محتوى المجموع بخصوص المعضلة والمصطلح العلمي وبالنسبة لما عرف واستعمل من مصادر هو أمر مستحيل ولا يمكن تصوره في القرن الثاني / الثامن « 1 » . وسنرى فيما بعد أن كلا السببين يتوقفان في نهاية الأمر على

--> ( 1 ) كراوس في : drit terjahresbericht ( التقرير السنوي الثالث ) ، المصدر المذكور له آنفا ، ص 27 .