فؤاد سزگين
208
تاريخ التراث العربي
انقدح وظهر . ذلك هو جرم الفلك المنير الأعظم وهو الجسم الذي في سائر الموجودات الثلاثة التي هي : الحيوان والنبات والحجر « 1 » . « ويظهر في جرم الفلك هذا الذي هو الفلك المنير الحاوي للعالم الذي نحن فيه والذي يوسم بالأثير ، يظهر الجوهر في أول الأمر لا جسميّا ويقبل شكلا ولونا معينا ، فيصير جسما . وهذه الدائرة نفسها هي مكان الطبائع الأربع اللاجسمية التي تنمو معا فتكسب جسمية ما ، عندما تتحد مع الجوهر أي مع الطبيعة الخامسة . وتشكل أعلى الدوائر ، التي اختلط فيها عالم الجوهر وعوالم العناصر البسائط أو الطبائع الأربع ، تشكل الصلة بين اللاجسميات والجسميات ( المحسوس واللامحسوس ) ، فهي نهاية الكائن الوهمي وأول الكائن الجسمي ؛ مثل هذه غير فاعلة ( passivitat ) . وهي ك لا جسم ، جوهر بسيط متجانس يلتقي فيه الكل والجزء ، وهي ك جسم مركبة ، متحركة ، متعلقة بالزمان والمكان . ويحكم تعلق النفس بالجوهر وبحكم المزج الذي يحصل بينهما يتحول الجوهر من لا جسمية إلى جسمية ويحدث نمو الجسم والانتقال من اللامحسوس « intelligibel » إلى المحسوس ومن البسيط إلى المركب . فإذا ما حدث أن اختلطا وأصبحا شيئا واحدا ، نزلا متتابعين إلى عوالم الطبائع الأربع وتحولا إليها ، ويخضع أساسا لتوليد ( الكون ) العالم الجسمي هذا ، شوق ( أو شهوة أو توقان ) النفس للجرم . وقد اكتفى جابر بتحديد : أن الشوق هذا أو الشهوة هذه التي تمد الجوهر بالقوة الفاعلة ، تتعلق بالاختيار المطلق للنفس ، لكنه لم يبيّن لنا ، لماذا كانت النفس الجاهلة تحس هذه الشهوة . كما أنه لم يدرس وهو الطبيعي « الفيزيائي » علة نزول النفس ولا النتائج المترتبة عليها من ذلك . فلقد كان همّه الوحيد تفسير حادثة توليد « كون » الأجسام ، ولم يتخلّ في هذا الجزء من علمه في حال من الأحوال عن التفكير الفيزيائي ، ليستبدل به تفسيرا لاهوتيّا أو حتى غنوسطيّا « 2 » » . وبالنسبة لتوليد « تكوّن » الجرم المستمر فقد أدى بجابر إلى أن يتخيل دائرة أخرى ، سماها « دائرة الخلاء » ، تقع دون دوائر الطبائع الأربع المركزية ، تتشبث النفس
--> ( 1 ) مختار رسائل ص 429 ؛ كراوس ii ، ص 152 - 155 . ( 2 ) كراوس ii ، 155 - 156 .