فؤاد سزگين
197
تاريخ التراث العربي
في نشوء المزدوج « 33 » وطريف أن نذكر في هذا الصدد ملاحظة البيروني عن منظومة في الفلك ، أنها في رأيه محاكاة لكتب هندية في الزّيج ، نظمت بنمط الشعر المعروف باسم شلوك ( sloka ) « 34 » ، وعلى نفس النحو ألف الفزاري - وكان فلكيا ببلاط المنصور - منظومته المشهورة « القصيدة في علم النجوم » . أما الأمثلة المذكورة عند البيروني ( إفراد المقال 142 - 144 ) فتتكون من أبيات ، لكل ثلاثة منها قافية واحدة ( انظر : تاريخ التراث العربي v , 216 - 217 ) . وإلى جانب هذا الضرب من المنظومات التعليمية ، ذات المحتوى للعلوم الطبيعية ، ظهر شعر المزدوج القصصى ، وهو نوع جديد ، اكتسب فيما يبدو درجة من الشعبية . إن البدايات الأولى في اللغة العربية غير معروفة لنا حتى اليوم ، كان أبان اللاحقى ( المتوفى 200 ه / 815 م ، انظر : ص 515 من هذا الكتاب ) شاعرا من الموالى ، وقد أفاد كثيرا من هذا الضرب ، نقل أبان كتاب « كليلة ودمنة » في قصص الحيوان ، ونقل عدة كتب في التاريخ من الفارسية الوسيطة « 1 » إلى العربية في نظم المزدوج ، وألف علي بن الجهم ( يأتي ذكره ص 580 ) وعبد اللّه بن المعتز ( يأتي ذكره ص 965 ) وابن عبد ربه ( يأتي ذكره ص 186 ) ، وغيرهم منظومات تاريخية من هذا الضرب . أما نظم اللغويين والفقهاء والمؤرخين ورجال الدولة فقد عرف في العصر الأموي ، وانتشر في العصر العباسي ، كما يتضح من الفصول الخاصة بذلك ، وتأتى في كتابنا ، وكان لسراة القوم ، ممن جمعوا المعرفة وتشجيع العلماء ، دور كبير في الحياة الثقافية . وزاد الشعر السياسي ، وشعر الصوفية ، وشعر الفرق - وترجع بداياته أيضا إلى العصر الأموي - زيادة مطردة ، ومن بين عناصر الشعر الصوفي - ونعرفه مثلا عند الحلاج ( يأتي ذكره ص 156 - 336 ) نذكر الزهد / ، ، وكان موضع التقريظ عند شعراء كبار مثل أبى نواس ، وأبى العتاهية ، في زهدياتهم « 35 »
--> ( 33 ) انظر حول هذا الموضوع : ما كتبه أولمان ، في دراسات عن شعر الرجز ورأيه مخالف لرأى جرونيباوم m . ullmann , untersuchungenzu rragazpoesie , wiesbaden 1966 , s . 47 ff . ( 34 ) قارن : كتاب « تحقيق ما للهند » للبيرونى ، 115 ، والترجمة الإنجليزية 1 / 147 . ( 1 ) المقصود بها الفارسية قبل الإسلام مباشرة ، وهي المعروفة باسم البهلوية - المترجم ( 35 ) انظر حول هذا الموضوع أيضا : بحث جرونيباوم عن الشعر العربي طبيعته وتطوره