فؤاد سزگين

49

تاريخ التراث العربي

رابعا : مصادر البحث في شعر الجاهلية وصدر الإسلام بعد أن حاولنا في العرض السابق ، أن نوضح قضايا رواية شعر الجاهلية وصدر الإسلام ، نحاول هنا أن نقدم عرضا عاما للمصادر التي ندين لها بمعلوماتنا الحالية عن الشعر العربي ، إنها ليست نقوشا ، ولا نكاد نعرف برديّات ، بل هي مجموعات مدونة من أنواع شتى / ، وصلت إلينا من العصر الإسلامي ، ولأسباب متعددة ومعروفة إلى حد بعيد ضاعت أقدم الكتب المدونة في أصولها ، أو سبقتها كتب أخرى وحلت محلها . إن الكتب المتأخرة التي وصلت إلينا تشكل بدورها مجرد بقايا ، حتى وإن بدت كبيرة ، وقد حفظت لنا مقتبسات وقطعا تضم شعرا من التراث الأقدم . إن الثقة في النقل عن المصادر الأقدم في الكتب الأحدث قضية جديرة بالبحث العميق ، ويبدو أن المتخصصين لم يعد لديهم شك قوى في ذلك ، على الرغم من أن الحكم على أهمية الأخبار الواردة في المصادر العربية وقيمتها كثيرا ما كان ذاتيا محضا ، وغير منهجى ، يتبين هذا الشك بصفة خاصة عند النظر في الإشارات الببليوجرافية إلى المصادر المبكرة والكتب الأوائل ، إنها إشارات لم يجمع أكثرها على نحو منهجى إلى اليوم ، ولم تبحث قيمتها ، ومن يراعى وضع هذه الأخبار في إطار التطور العام لتاريخ الحضارة ، ويراها بالتالي جديرة بالتصديق ، فإنه سوف يجد نفسه في أحوال غير نادرة عرضة لتهمة عدم التمحيص والنقد ، وذلك من جانب نقاد ينقلون بدورهم أخبارا يعتبرونها صحيحة وذلك عن تلك المصادر بالذات التي يشكون فيها ، طالما كان في ذلك ما يدعم تصوراتهم . وهذان مقياسان للنقد غير متفقين ، وكلاهما يستقى معلوماته من الفهرست لابن النديم ، وهو كتاب ندين له بمادة ثرية كل الثراء ، تتصل بتاريخ حركة التأليف ، وندين له أيضا ببدايات التصنيف النوعي لمجالات التأليف ، وهو ما نحاول تطبيقه هنا أيضا في إطار الشعر . إن البحوث الحديثة في الدراسات العربية لم تصل - بكل أسف - إلى رؤية واضحة في موضوع المصادر ، ولذا فليس ثمة نتيجة واضحة مركزة ، وعلينا أن نعتمد في أكثر الحالات على نتائج البحوث الأقدم التي لم تؤخذ حقّ أخذها ، أو طغى عليها النسيان .