فؤاد سزگين

37

تاريخ التراث العربي

جمع في عهد عمر بن الخطاب « 132 » ، وربما وقع قسم من هذا الشعر في وقت تال في يد حماد الراوية بعد سرقته « 133 » . أما صحة الخبر القائل بأن النعمان بن المنذر قد أمر بتدوين الشعر العربي ودفنه في قصره الأبيض ، وأن المختار الثقفي ( المتوفى 67 ه / 687 م ) احتفره فأخرج تلك الأشعار « 134 » ، فهي موضع خلاف « 135 » ، ورواية الخبر المجردة عند ابن سلام تقول : « وقد كان / عند النعمان بن المنذر منه ( أي من شعر العرب في الجاهلية ) ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح هو وأهل بيته به ، فصار ذلك إلى بنى مروان ، أو صار منه » « 136 » . وإذا نظرنا إلى التطور في سياق أوسع ، يتصل بتقييد الحوادث التاريخية والأنساب ( انظر في هذا الفصل ما يتعلق بالمصادر ) ، وبتسجيل حكم الجاهليين « 137 » ، وبرغبة الصحابة في تدوين حديث الرسول وأفعاله « 138 » ، فإننا نستطيع أن نستنتج من هذه الأخبار كلها ، أن تدوين الشعر كان مألوفا في العصر الجاهلي إلى حدّ ما ، وأن قدرا كبيرا من هذه المدونات قد وصل إلى العصر الإسلامي ، وأن ظهور الإسلام لم يقلل من الاهتمام بالشعر وروايته ، وأن الكتابة لم تلبث أن زاد انتشارها بعد ظهور الإسلام « 139 » . ويمكن التعرف على ثلاث مراحل لتطور تدوين الشعر العربي القديم في العصر الإسلامي :

--> ( 132 ) انظر : الأغانى 4 / 140 - 141 . ( 133 ) انظر : الأغانى 6 / 87 . ( 134 ) انظر : الخصائص ، لابن جنى 1 / 392 - 393 ، ولسان العرب مادة ( ط ن ج ) ، والمزهر للسيوطي 1 / 249 . ( 135 ) انظر أيضا : ما كتبه بلاشير : Blachere . Histoire 96 - 97 وما كتبه العش ، في المرجع السابق ص 9 ، والأسد ص 161 . ( 136 ) انظر : طبقات فحول الشعراء ، لابن سلام 23 ، وما كتبه كرنكو 266 . ( 137 ) انظر : ما كتبه جولدتسيهر ، في كتابه في الدراسات الإسلامية 2 / 205 . ( 138 ) انظر : المرجع السابق 2 / 9 . وانظر كذلك : تاريخ التراث العربي I , 53 وما بعدها . ( 139 ) إن الرأي الذي ذكره بلاشير ، في كتابه في تاريخ الأدب العربي R . Blachere . Histoire 97 أن تدوين القرآن نفسه لم يكن ممكنا - فيما يقال - إلا بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم ، وبالتالي لم يدون الشعر الجاهلي الوثني إلا بعد ذلك ، هو رأى لا يقوم على أساس سليم .