فؤاد سزگين

32

تاريخ التراث العربي

والحكم على صحة نسبة مؤلفات أبي حنيفة له من الأمور الصعبة في تاريخ التراث العربي ، وإن كان الرأي السائد يميل إلى أن أبا حنيفة لم يؤلف كتابا واحدا منها « 37 » ولكن كيف يستطيع المرء أن يتصور أبا حنيفة ، وهو مؤسس مذهب في الفقه لم يؤلف كتابا قط في حين أن أساتذته كانوا يؤلفون كتبا وأن معاصريه في البلاد الإسلامية المختلفة كانوا يؤلفون كتبا كثيرة مبوبة . وقد وصلت بعض الأخبار من معاصريه / حول كتبه . « 38 » حتى إنه ليقال إن سفيان الثّورى ( المتوفى 161 ه / 778 م ) وهو صاحب مذهب مستقل قد نسخ كتاب « الرهون » لأبى حنيفة . « 39 » . أما الأوزاعي ( المتوفى 157 ه / 774 م ) وهو مؤسس مذهب فقهى ولم يكن يعرف أبا حنيفة حق المعرفة ولم يكن يقدره أطلعه عبد الله بن المبارك ( المتوفى 181 ه / 797 م ) على كتاب لأبى حنيفة كان عنده « 40 » . إلّا أن عبد الله بن المبارك نفسه قد طعن في صحة نسبه كتاب « الحيل » إلى أبي حنيفة . « 41 » وأمّا الطريقة التي كان يكتب بها أبو حنيفة كتبه فليس هناك ما يدل على أنه كان يؤلفها بطريقة تخالف معاصريه ، كما رأينا في باب الحديث . ويبدو أن أكثر كتبه التي وصلت إلينا من عمل تلاميذه ولكنه كتب - على الأقل - « الرسالة » الموجهة إلى عثمان البتي ( المتوفى 143 ه / 760 م ) في الدفاع عن « الإرجاء » .

--> ( 37 ) جونبول في دائرة المعارف الإسلامية ( الطبعة الأولى ) 1 / 96 ، وشاخت ( الطبعة الثانية ) 1 / 123 . ( 38 ) تاريخ بغداد للخطيب 13 / 342 . سأل أبو مسلم المستملى يزيد بن هارون ( في عهد المنصور 136 ه / 754 م - 158 ه / 775 م ) : « ما تقول - يا أبا خالد - في أبي حنيفة والنظر في كتبه ؟ قال : انظروا فيها إن كنتم تريدون أن تفقهوا ، فإني ما رأيت أحدا من الفقهاء يكره النظر في قوله . » ( 39 ) المصدر السابق : « احتال الثوري في كتاب الرهن حتى نسخه » ( 40 ) النص : « يا خراساني من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة ؟ فرجعت إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل . . . والكتاب في يدي . فقال : أي شئ هذا الكتاب ؟ » ، المصدر السابق 13 / 338 . ( 41 ) المرجع السابق 426 - 427 .