فؤاد سزگين

14

تاريخ التراث العربي

كانت موضع تقدير كبير في المجتمع العربي القديم . فقد كلف عمر بن الخطاب ثلاثة من نسابى قريش وهم جبير بن مطعم ، وعقيل بن أبي طالب ، ومخرمة بن نوفل بأن يعدّوا له جدولا بالأنساب « 57 » . والنسابة الأخير أحد أعضاء اللجنة التي قامت بوضع علامات لحدود المنطقة الحرام في مكة . « 58 » وسوف نرى فيما بعد أن أبناء وأحفاد وتلاميذ هذا النسابة كانوا أيضا علماء بالأنساب ومؤرخين أسهموا في التطور المستمر للتدوين التاريخي عند المسلمين . ويتضح لنا من كتب الطبقات ومن الإشارات المتعددة في المصادر أن القرشيين الثلاثة لم يكونوا عارفين فقط بسلاسل أنساب القبائل وأسمائها ، بل كانوا كذلك من أصحاب المعرفة بالشعر وأخبار العرب . وحسبنا هنا أن نضرب مثلا ، فالخليفة عمر بن الخطاب - الذي قضى نصف عمره في الجاهلية - سأل يوما ما جبير بن مطعم عن تاريخ الملك النعمان بن المنذر ، وأهداه سيف الملك / - وكان من بين أسلحة الملك وملابسه ضمن الغنائم . أما الخبر الذي رواه نافع بن جبير فيفصح عن حسّ نقدي للتاريخ لدى جبير وابنه . « 59 » وكان أبو بكر متميزا بين الصحابة بمعارفه في الأنساب ، حتى إنه كان - فيما يقال - أستاذ جبير بن مطعم في هذا المجال « 60 » . ومن بين متأخري الصحابة كان عبد اللّه بن عباس نسابة معروفا « 61 » . وعلى هذا الأساس أصبح ممكنا أن يوجد مثل هذا الاشتغال المركز بالأنساب والتاريخ القديم في أوائل العصر الأموي . « 62 » وتذكر المصادر أسماء متعددة لنسابين قاموا

--> ( 57 ) الطبقات لابن سعد ( بيروت ) 3 / 295 - 299 ، فتوح البلدان للبلاذري 436 ، 437 ، الطبري 1 / 2750 - 2752 ، وانظر شبرنجر وجولدتسيهر : Sprenger , Leben III , Vorwort 158 . Goldziher , Muh , Stud . I , 183 . ( 58 ) الإصابة لابن حجر 3 / 794 ، وانظر فيستنفلد في كتابه عن المؤرخين العرب : Wustenfeld , Geschichts . Nr . 3 ( 59 ) الطبري 1 / 2455 ، قارن البيان والتبيين للجاحظ 1 / 303 ، ونظرا لأن هذا الخبر موجود في كتب متأخرة فإننا نشك في أصالته وأرى أن الطبري قد احتفظ لنا على نحو غير مباشر بقطعة من كتاب نافع بن جبير حول حياة الرسول . ( 60 ) البيان والتبيين للجاحظ 1 / 303 ، والحيوان للجاحظ 3 / 210 ، والفائق للزمخشري 1 / 608 - 609 ، والإصابة لابن حجر 1 / 461 ، 2 / 830 وجولدتسيهر في كتابه دراسات إسلامية 1 / 180 . ( 61 ) الطبقات لابن سعد ( طبعة بيروت ) 2 / 367 . ( 62 ) انظر جولدتسيهر في دراسات إسلامية : Goldziher , Muh . Stud . I , 186