فؤاد سزگين
8
تاريخ التراث العربي
ولعل من أهم المسائل التي لفت إليها نظر القارئ بشكل خاص رأيي في تاريخ تدوين الحديث النبوي الشريف والرواية الإسلامية في القرون الأولى بعد الهجرة . وكان موقف بعض القرّاء الأوروبيين في البداية سلبيا أو مترددا لظنّهم بأن الدافع وراء نظرتى إلى هذه القضية هو كونى مسلما . وانطلق أحد المستشرقين الشهيرين من هذا المنطلق ذاته حين رأى في تقييمى « . . . موقفا تقليديا يرفض معظم نتائج الدراسات الإسلامية التي توصل إليها الغربيون » . بيد أن هذا الحكم القاسى الذي لا يتماشى مع مضمون الكتاب لم يكن له ذلك التأثير الكبير على أولئك الزملاء من المستشرقين الذين وقفوا إلى جانبي ، كما لم يقلل من أثره على بعض الدراسات ، وإن لم يصرح بذلك أحيانا . وجاء الاعتراض أيضا من قبل بعض القراء العرب ، الذين اطّلعوا على جزء واحد فقط من الكتاب ترجم إلى العربية ، على ما كتبته عن الإمام البخاري ، رحمه اللّه ، كمصنف كتاب في الأحاديث النبوية الشريفة التي دافعت عن قدم كتابتها وتدوينها وتصنيفها ، فاعتبرت عمله حلقة هامة في تاريخ علم الحديث وأرجعت الحكم بأنه أول من صنّف أو أسند الأحاديث النبوية الشريفة ، إلى تصورات وهمية حديثة المنشأ ظهرت في بعض الدراسات الأوروبية في منقلب القرن التاسع عشر إلى العشرين وتوصلت إلى استنتاج الواقع المسجل في ما ترك لنا المحدّثون من الأخبار والكتب وأصول تحمّل العلم . ولقد لاقى رأيي هذا قبولا لدى كثير من القراء العرب الآخرين ، وآمل أن تساهم قراءة المجلدات الأخرى بعد ترجمتها إلى العربية في زيادة وتعميق التفهم لفكرة أساسية في كتابي تقول بأن اشتغال المسلمين بالعلوم عامة بدأ في عهد أقدم بكثير مما هو شائع بين معظم الباحثين والمتخصصين في هذا المجال . ولقد كان ما لمسته من رغبة قوية في ترجمة الكتاب إلى العربية فور نشره من أسباب سعادتى العميقة . وقام الدكتور محمود فهمي حجازي والدكتور فهمي أبو الفضل بنقل المجلد الأول منه إلى العربية . وتم نشر القسم الأول منه في سنة 1971 م على نفقة الهيئة المصرية العامة للكتاب . وقد فارقنا الدكتور فهمي أبو الفضل إلى رحمته تعالى قبل ذلك فلم يكتب له أن يرى ما ترجمه منشورا . وواصل الدكتور حجازي تصحيح ما ترجم فتمّ نشر ترجمة القسمين الأول والثاني اللذين يزيدان على ثلثي الأصل الألماني للمجلد الأول .