فؤاد سزگين

59

تاريخ التراث العربي

حال أبى بكر الصديق « 50 » ، وعمر بن الخطاب « 51 » ، وبعض التابعين مثل سعيد بن المسيب « 52 » ، إلّا أن الأخبار والإشارات تنفى أي شك في أن المحاولات الأولى لتفسير القرآن رغم ذلك ترجع إلى صدر الإسلام ، وأن عبد الله بن العباس صاحب أول محاولة في هذا المجال . وقد وصف تلميذه سعيد بن جبير من قرءوا القرآن ولم يفسروه بأنهم في عمى وجهل « 53 » . أما الزعم القائل بأن عبد الله بن العباس لم يخلف كتابا بالمعنى الدقيق للكلمة ، فلا أساس له من الصحة . وقد نشأ هذا الرأي عن التصور الخاطئ لبواكير التأليف في المجالات المختلفة من التراث العربي . فالمعلومات يؤيد بعضها بعضا وتؤدى بنا إلى تصور مختلف كل الاختلاف ، وبحسبه لم يكن ابن عباس نفسه من أوائل العرب الذين دونوا معارفهم . وترجع أقدم الكتب المدونة في الفقه والأمثال والمثالب والتاريخ وغير ذلك - كما يتضح من الأبواب التي تتناولها من هذا الكتاب - إلى نفس الفترة في صدر الإسلام ، حتى إن بعضها يرجع إلى الجاهلية . وهل يمكن أن يتصور الإنسان - بعد هذا - أن يقصر عبد الله بن العباس ، وهو ذو المعارف المتنوعة في الشعر والأنساب وأيام العرب في الجاهلية والمغازي وسيرة الرسول والفقه الإسلامي ، في تدوين معارفه ؟ إن المؤرخ موسى بن عقبة

--> ( 50 ) انظر : تفسير الطبري ، تحقيق شاكر 1 / 78 . ( 51 ) انظر المعلومات الواردة عند جولد تسيهر في اتجاهات التفسير الإسلامي ( 52 ) انظر : تفسير الطبري ، 1 / 87 . ( 53 ) انظر : المرجع السابق 1 / 81 ، وهناك سوء فهم وقع فيه جولد تسيهر : goldziher , richtungen , 56 أن سعيد بن جبير يعد ممن تحرجوا من تفسير القرآن الكريم . أما العبارة : سأله رجل أن يكتب ( أو : أن يكتب ) له تفسير القرآن فغضب وقال لأن يسقط شقى أحب إلىّ من ذلك ( وفيات الأعيان لابن خلكان 1 / 256 ) ، فقد فهمها جولد تسيهر وترجمها كما لو كان المقصود أن الرجل طلب منه أن يفسر القرآن ، وهذا غير صحيح ، لأن سعيد رفض بعبارته أن يعطيه تفسيرا ينسخه ، دون أن يكون قد قراءة عليه . وهو بهذا رافض للرواية بطريقة الكتابة » ، انظر مقدمة الباب الخاص بعلم الحديث .