فؤاد سزگين
136
تاريخ التراث العربي
وتذكر لنا كتب علم الحديث ، ولا سيما كتب طبقات المحدثين ، قصصا كثيرة عن هذه الرحلات الشاقة التي قاموا بها « طلبا للعلم » أنها « رحلة العلم » بهدف الحصول على إجازات برواية أكبر عدد ممكن من الكتب والأحاديث على أفضل وجه ممكن أي سماع أو قراءة . وهذه الأخبار ذات طابع قصصى وتسببت في سوء فهم ، فقد فهم منها أنه كان عليهم أن يجمعوا الأحاديث المحفوظة في ذاكرة الرواة المتفرقين في أنحاء العالم ( الإسلامي ) ليدونوها لأول مرة « 198 » . ونود أن نبحث في إيجاز بعض القضايا المرتبطة بأهمية الذاكرة في الرواية . فلا بد أولا وقبل كل شئ - أن نستخرج الدلالة الصحيحة للأخبار التي تروى كثيرا أن هذا المحدث أو ذاك ، قد حفظ مائتي ألف حديث مما يجعلنا نقابل ذلك في عصرنا هذا إما بالإعجاب / بالذاكرة الممتازة للانسان في تلك العصور ، وإما باعتبار هذا نوعا من المبالغة أو بطرحه جانبا وكأنه أسطورة خيالية . ورغم أن المبالغة في هذا الرقم بديهية في معظم الأحوال ، إلا أننا نعرف من البحث الدقيق لكتب الحديث أن الروايات المختلفة للحديث الواحد تدخل أيضا في هذا العدد ، وهي لا تختلف عن بعضها البعض إلا اختلافا يسيرا في الإسناد ولذلك فكل رواية تعد مستقلة عن الأخرى وبذلك يصبح عدد النصوص فعلا بضة آلاف . وهنا نهتم اهتماما خاصا بدور الذاكرة وهو دور أدركه الباحثون المحدثون إدراكا خاطئا ، كان له أثر حاسم في التصور غير الصحيح عن تطور كتب الحديث وفي التفسير الخاطئ للأخبار إلى حدّ ما . فعلى سبيل المثال قال معاصر لوكيع ( المتوفى 196 ه / 811 م ) : « رأيت وكيعا ، وما رأيت بيده كتابا قط ، إنما هو يحفظ » « 199 » وكان يعنى بهذا أنه كثيرا ما رأى وكيعا في مجالس العلم ، ولكنه لم ير معه أصولا مدونة فقد كان يروى من حافظته . وسنناقش فيما بعد قضية رواية المحدثين دون استخدام أصول مدونة بأن نبين مداها وزمنها . إن وكيعا اشتهر بذاكرة قوية غير عادية ، ولكن ترجمة جولد تسيهر
--> ( 198 ) سزكين في كتابه عن مصادر البخاري Sezgin , Buh . Kayn . 31 - 33 ( 199 ) التهذيب لابن حجر 11 / 129 I . Goldziher , Muh . Stud . II , 197