فؤاد سزگين
122
تاريخ التراث العربي
اعتمادا على استنتاجاته غير الصحيحة فجعله بعد وقته الحقيقي بمائة عام « 123 » ، فيجوز لنا أن نعدّه امتدادا / متطورا لحركة تدوين الحديث في العصر الأموي . لقد بدأ تصنيف الحديث في وقت عرفت فيه الحركة العلمية في المجتمع الإسلامي عموما مدونات جامعة . ففي الوقت الذي ألف فيه ابن إسحاق ، وأبو مخنف وغيرهما مصنفات جامعة في التاريخ أي في أواخر العصر الأموي وفي بداية العصر العباسي ، يمكننا أن نثبت وجود عدد من علماء الحديث في مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية ، وصفوا بأنهم « أول من صنف الكتب » أو « أول من صنف الحديث » وتخبرنا عن هؤلاء المصنفين المبكرين بعض المراجع القديمة التي وصلت إلينا ، مثل : العلل لأحمد بن حنبل « 124 » والصحيح للترمذي « 125 » والتقدمة لابن أبي حاتم « 126 » وقد حدد أبو طالب المكي ( المتوفى 386 ه / 996 م ) أول بداية ممكنة لهذا العمل بالفترة بين سنة 120 ه وسنة 130 ه . « 127 » ومن أوائل المصنفين نذكر
--> ( 123 ) عرف جولدتسيهر Goldziher , Muh . Stud . II , 211 - 212 اسمى العالمين : عبد الملك بن جريج ( المتوفى 150 ه / 767 م ) وسعيد بن أبي عروبة ( المتوفى 156 ه / 773 م ) . وقد أقام رأيه بأنه لا يجوز أن نتوقع في ذلك الوقت بدايات كتب المصنف على أساس النص التالي الوارد عند أحمد بن حنبل عن سعيد بن أبي عروبة : « هو أول من صنّف الأبواب بالبصرة . . . لم يكن له كتاب إنما كان يحفظ » ( انظر : التهذيب للنووي ص 787 والتذكرة للذهبي 177 ) . وقال عنه : « هذا الخبر يسر إلينا بشك مبررا في صحة ما يستنتج من نص ابن حنبل فيما يتعلق بتاريخ الكتب » فقد فهم من العبارة : « أنه لم يكن له كتاب وانما كان يحفظ » أنه لم يؤلف كتابا وأضاف قائلا : « إذا جاز لنا أن ننسب إلى تلك الفترة كتبا ذات تصنيف منهجى فهي ليست مجموعات حديث ولكنها بروح عصرها كتب فقه انتظمت فيها الأبواب - كمحاولة أولى - وفق موضوعات الفقه ، ولم تكن تخلو من السنة الخاصة بهذه الموضوعات . » ويعترض على هذا بما يأتي : أ - لو أراد مريد أن يثبت بالخبر المذكور أن سعيد بن أبي عروبة لم يؤلف كتابا فإن هذا ينسحب على كتب الفقه . ب - لم يعرف القرن الثاني للهجرة فرقا جديرا بالذكر بين كتب الفقه وكتب الحديث المصنف . ج - هناك أمثلة كثيرة تظهر لنا في وضوح أن الخبر المذكور يعنى أن ابن عروبة كان ذا حافظة طيبة ولم يكن يهتم كثيرا بما يدوّنه بنفسه ، وهو ما أطلق عليه « حديث ابن أبي عروبة » . د - هناك نصوص كثيرة قديمة وصلت إلينا حول عمله كمصنف ، انظر سزجين : مصادر البخاري ص 41 - 45 ( 124 ) العلل لابن حنبل 1 / 348 . ( 125 ) الصحيح للترمذي ، بولاق 1292 ، 2 : 332 وشرحه لابن الأعرابي ( القاهرة 1931 - 1934 م ) 12 : 354 - 305 . ( 126 ) التقدمة لابن أبي حاتم 127 ، وانظر كذلك : سزجين Sezgin , Buh Kayn . 40 44 ( 127 ) قوت القلوب ( القاهرة 1310 ه ) 1 / 350 .