الشيخ السبحاني

85

تذكرة الأعيان

قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار ؟ قلت : لا ختم ولا تغشية ثمّ على الحقيقة ، وإنّما هو من باب المجاز ، ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه ، وهما الاستعارة والتمثيل . أمّا الاستعارة فان تجعل قلوبهم - لأنّ الحقّ لا ينفذ فيها ، ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه ، واستكبارهم عن قبوله واعتقاده - وأسماعهم - لأنّها تمجّه ، وتنبو عن الإصغاء إليه ، وتعاف استماعه - كأنّها مستوثق منها بالختم ، وأبصارهم - لأنّها لا تجتلى آيات اللّه المعروضة ، ودلائله المنصوبة ، كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين - كأنّما غطي عليها ، وحجبت ، وحيل بينها وبين الإدراك . وأمّا التمثيل فان تمثّل - حيث لم ينتفعوا بها في الأغراض التي كلّفوها وخلقوا من أجلها - بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية ، وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعي ختما عليه فقال : ختم الإله على لسان عذافر * ختما فليس على الكلام بقادر وإذا أراد النطق خلت لسانه * لحما يحركه لصقر ناقر ! فإن قلت : لم أسند الختم إلى اللّه تعالى ، وإسناده إليه يدلّ على المنع من قبول الحقّ والتوصّل إليه بطرقه ، وهو قبيح ، واللّه يتعالى عن فعل القبح علوا كبيرا ، لعلمه بقبحه ، وعلمه بغناه عنه ، وقد نصّ على تنزيه ذاته بقوله : وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ . ونظائر ذلك ممّا نطق به التنزيل ؟