الشيخ السبحاني
277
تذكرة الأعيان
وأمّا قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . « 1 » فقد قدم لفظ الصابئين على « النصارى » كما هو الحال في الآية 69 من سورة المائدة ، ومع ذلك جاء منصوبا والوجه هو انّ الآية ليست بصدد بيان مراتب التوحيد في المعطوف والمعطوف عليه ذلك أنّه ذكر « المجوس » و « الذين أشركوا » فلم يكن فيها محل لهذه النكتة حتّى يميّزه بالرفع . الثاني : ذكر المذيّل وقال في سورة آل عمران ( آية 52 ) : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » والوجه « فكان » لكن هذا يخلّ بالراوي . « 3 » قال الشيخ في جوابه : قال جلّ شأنه في مقام الاحتجاج بالتمثيل ( فيكون ) بالفعل المضارع الدال على الثبوت . وذلك لبيان الملازمة الدائمة بين قوله تعالى : « كن » وبين أنّ الشيء يكون بهذا الأمر لا محالة . وبهذه القدرة التامة والملازمة الدائمة خلق عيسى من غير فحل إذ قال له « كن » . ولا تقوم الحجة بهذا التمثيل ولا يحصل المراد منه في الاحتجاج إلّا ببيان الملازمة ، بخلاف ما لو قيل : كن فكان ، لأنّ هذا الأسلوب لا يفيد إلّا أنّ آدم كان ، سواء كان ذلك باتفاق أو بملازمة خاصة بذلك الكون أو عامة ، وهو أمر معلوم لا فائدة فيه في بيانه ولا حجة فيه على خلق عيسى من غير فحل ، فلا يكون التفريع لو قيل : كن فكان ، إلّا لغوا في كلام متهافت .
--> ( 1 ) . الحج : 17 . ( 2 ) . آل عمران : 59 . ( 3 ) . مقالة في الإسلام : 417 .