الشيخ السبحاني
128
تذكرة الأعيان
غرار علمه سبحانه به ، وأمّا علم الغيب المكتسب بإذن اللّه سبحانه فلا ينفيه بشهادة قوله : « ومن وصف مخلوقا بذلك فقد فارق الدين » إذ أيّ صلة بين مفارقة الدين والقول بأنّ اللّه سبحانه علم شيئا من العيوب لبعض عباده الصالحين . والذي يدلّنا إلى مرامه ومقصده ما ذكره في تفسير قوله سبحانه : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . « 1 » فقال في ذيل هذه الآية ما هذا لفظه : وجدت بعض المشايخ ممّن يتّسم بالعدوان والتشنيع قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره فقال : « هذا يدلّ على أنّ اللّه سبحانه يختص بعلم الغيب خلافا لما تقول الرافضة : إنّ الأئمّة يعلمون الغيب » ولا شك أنّه عنى بذلك من يقول بإمامة الاثني عشر ويدين بأنّهم أفضل الأنام بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فإنّ هذا دأبه وديدنه فيهم ، يشنع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم ، وينسب الفضائح والقبائح إليهم ، ولا نعلم أحدا منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق ، فإنّما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد ، وهذه صفة القديم سبحانه ، العالم لذاته لا يشركه فيها أحد من المخلوقين ومن اعتقد أنّ غير اللّه سبحانه يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملّة الإسلام . فأمّا ما نقل عن أمير المؤمنين عليه السّلام ورواه عنه الخاص والعام من الأخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها ، مثل قوله وهو يومي به إلى صاحب الزنج : « كأنّي يا أحنف وقد سار بالجيش الذي ليس له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ، ولا صهيل خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النعام » .
--> ( 1 ) . هود : 123 .