الشيخ السبحاني

398

تذكرة الأعيان

هذا ما يرجع إلى حديث الأَمس وأما حديث اليوم ؟ فقد خلت الديار من أمثال هؤلاء الأُدباء ولم يبق منهم إلّا ظل ، ومن تلك المصابيح إلّا ضوء ، وأصبحت المنطقة كما قال الشاعر الذبياني : أمست خلاء ، وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد « 1 » عبد الصمد الخامنئي : الحق كما قيل إنّ شخصية المرء بآرائه وأفكاره أوّلًا ، وبآثاره التي خلّفها ثانياً ، وهي أحسن دليل على وجود تلك الصدور المائجة بإشكال متعددة من علم مكنون ، وأدب مفطور ، وقريحة وقادة ومثل عليا ، وفضائل رابية ، بل أثر كل إنسان عمر ثان له ، و « جميل صنع المرء عمر ثان » . إنّ المؤَرّخين ومؤَلّفي كتب التراجم للعلماء والأُدباء وإن لم يسجّلوا عن حياة شيخنا المترجم وأساتذته ، وتلاميذه وسائر آثاره العلمية وتاريخ ولادته شيئاً يذكر تقصيراً أو قصوراً لكن ديوانه الماثل بين يدي القرّاء الكرام لخير مترجم لقريحته الوقّادة ، وتوغّله في الأَدب العربي : الجاهلي والإِسلامي ، ومقدرته على إبداع المعاني ، وأنّه كان يداني أُدباء وشعراء القرون الإِسلامية . وفي الوقت نفسه ربّما يجري مجرى الشاعر الجاهلي في غزله ومراثيه ، فتجد شعره يحكي عن حياته الساذجة وكأنّه إنسان عاش في البادية ، ولم ير الحضر ، فكان شعره بعيداً عن التكلّف والتعقيد ، ينطق بوجدانه ، ويعلو شعره الصدق والبساطة ، ويتبع خياله اتساع أُفق الصحراء ، وبذلك جمع بين خصائص

--> ( 1 ) ديوان النابغة الذبياني : المكتبة الثقافية - 30 - أخنى عليها : غيّرها وأفسدها . « لبد » : زعموا أنّه نسر كان للقمان بن عاد عمّر طويلًا .