الشيخ السبحاني
272
تذكرة الأعيان
كتب ، فأحبّها إلى اللّه أعدلها وأقومها ، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلّا أتاني به فأرى فيه رأيي . قال : فظنّوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوِّمها على أمر حتى لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار ثمّ قال : أُمنية كأُمنية أهل الكتاب « 1 » . لقد صار عمل الخليفة سنّة رائجة في حياته وبعده إلى عصر المنصور الذي دعا الناس إلى تدوين الحديث وكتابته بعد خسارات فادحة أُصيب بها الحديث . قال الذهبي : وفي سنة 143 ه شرع علماء الإِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنّف ابن جريج بمكة ، ومالك الموطأ بالمدينة ، والأَوزاعي بالشام ، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة ، ومعمر باليمن ، وسفيان الثوري بالكوفة ، وصنّف ابن إسحاق المغازي ، وصنّف أبو حنيفة الفقه والرأي إلى أن قال : وقبل هذا العصر كان الأَئمّة يتكلّمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتّبة « 2 » . أمّا شيعة أئمّة أهل البيت فلم يُعيروا أهمية لهذا الحظر ، بل دأبوا على كتابة السنّة وتدوينها ونشرها بين أبنائهم لعلمهم بأنّ السنّة وحي كالقرآن الكريم لا يمكن التساهل والتسامح فيها دون نشرها وإلّا تذهب إدراج الرياح ، لَانّ ما في الصدور يذهب بذهاب أصحابها بخلاف الكتاب فإنّه يبقى عبر الأَزمنة والقرون . كان لرفع الحظر عن كتابة الحديث وتدوينه والتحريض على دراسته أثر ملحوظ في انكباب العلماء والمحدّثين على دراسته وكتابته وتدوينه ، وشدّ الرحال إلى آفاق بعيدة بُغية جمع السنّة النبوية ، فراج الحديث على أثرها أواخر القرن الثاني وبلغ ذروته أوائل الرابع ، فصارت الحواضر الإِسلامية مراكز مهمة للحديث وجمعه لا سيما حاضرة العراق وضاحيتها الكوفة ، والري وضواحيها
--> ( 1 ) الخطيب البغدادي : تقييد العلم ، ص 52 . ( 2 ) تاريخ الخلفاء ، للسيوطي ، ص 261 .