الشيخ السبحاني
122
تذكرة الأعيان
وربما يتفلسف ويقول : إنّما أُعطينا العقل لإِقامة العبودية لا لإِدراك الربوبية ، فمن شغل ما أُعطي لإِقامة العبودية في إدراك الربوبيّة ، فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية « 1 » . وكأنّه يتصوّر أنّ العبودية تنحصر في القيام والقعود لأَداء الصلاة ، والإِمساك للصوم ، ولكنّه غفل عن أنّ ركناً من العبودية يعود إلى العقل والقلب ، وأقلّ مراتبه الايمان بالغيب . فإذا أمكن له استشعار الغيب وما فيه من المعارف عن طريق الامعان في الكتاب والسنّة ، والأَقيسة العقليّة ، فقد قام بوظيفة الربوبية . وهذا يعرب عن أنّ الطائفتين تائهتان ، وتسيران في وادٍ مُظْلِم ، فالأولى تؤَدّي إلى التجسيم والتشبيه ، والثانية إلى تعطيل وإيصاد باب المعرفة في وجه الإِنسان . فلو كان التفكّر العقلي في المعارف الإِلهيّة أمراً ممنوعاً ، وكانت الوظيفة منحصرة في القراءة فحسب ، كما يقوله ابن قدامة المقدسي : « وعلى هذا درج السلف والخلف ، فهم متّفقون على الإِقرار والإِمرار والإِثبات ، لما ورد من الصفات في كتاب اللّه وسنّة رسوله من غير تعرّض لتأويله » « 2 » فما بال القرآن يثير في الإِنسان التفكّر في المعارف ، ويأخذ بيده للوصول إلى غايتها الممكنة ، ويقول : ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) « 3 » . وقال سبحانه : ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) « 4 » .
--> ( 1 ) رضا نفسان ، علاقة الإِثبات والتفويض ، نقلًا عن الحجّة في بيان المحجة : 33 . ( 2 ) المراد من التأويل تفسيرها بما يتجاوب مع تنزيهه على ضوء سائر الآيات والأَقيسة المنطقيّة . ( 3 ) الأَنبياء : 22 . ( 4 ) المؤمنون : 91 .