الشيخ محمد تقي التستري

619

قاموس الرجال

فطال ما قد بروا بالجور أعظمنا * برى الصناع قداح النبع بالسفن قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا * إنّ الخلافة فيكم يا بني حسن فتغيّر وجه الرشيد عند استماع الشعر ، فابتدأ ابن مصعب يحلف باللّه الذي لا إله إلّا هو وبأيمان البيعة أنّ هذا الشعر ليس له ، وإنّما هو لسديف ؛ فقال يحيى للرشيد : واللّه ما قاله غيره ، وما حلفت كاذبا ولا صادقا باللّه قبل هذا ، وإنّ اللّه تعالى إذا مجّده العبد في يمينه بقول : « الرحمن ، الرحيم ، الطالب ، الغالب » استحيى أن يعاقبه ، فدعني احلّفه بيمين ما حلف بها أحد قطّ كاذبا إلّا عوجل ، قال : حلّفه ، قال : قل : « برئت من حول اللّه وقوّته واعتصمت بحولي وقوّتي وتقلّدت الحول والقوّة من دون اللّه استكبارا على اللّه واستعلاء عليه إن كنت قلت هذا الشعر » فامتنع عبد اللّه من الحلف بذلك ؛ فغضب الرشيد وقال للفضل بن ربيع : يا عبّاسي ما له لا يحلف إن كان صادقا ؟ هذا طيلساني عليّ وهذه ثيابي لو حلّفني أنّها لي لحلفت ؛ فرفس الفضل عبد اللّه برجله وصاح احلف ويحك ! - كان له فيه هوى - فحلف باليمين ووجهه متغيّر وهو يرعد ؛ فضرب يحيى بين كتفيه ، ثمّ قال : قطعت يا ابن مصعب واللّه عمرك واللّه لا تفلح بعدها ؛ فما برح من موضعه حتّى أصابه الجذام فتقطّع ومات في اليوم الثالث ؛ فحضر الفضل جنازته ومشى معها ومشى الناس معه ، فلمّا جاءوا به إلى القبر ووضعوه في لحده وجعل اللبن فوقه انخسف القبر به وخرجت منه غبرة عظيمة ؛ فصاح الفضل التراب التراب ! فجعل التراب يطرح وهو يهوي ، ودعا بأحمال شوك فطرحها فهوت ؛ فأمر حينئذ بالقبر فسقّف بخشب وأصلحه ، وانصرف منكسرا ؛ فكان الرشيد يقول بعد ذلك للفضل : رأيت يا عبّاسي ما أسرع ما اديل ليحيى من ابن مصعب ! « 1 » .

--> ( 1 ) مقاتل الطالبيّين : 315 - 318 .