كوركيس عواد

34

خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة

وقد أعاد ابن خلدون هذا القول في موطن آخر من تاريخه ، وزاد عليه أنهم رموها في دجلة ، مقابلة لما فعله المسلمون « بكتب الفرس عند فتح المدائن » « 1 » . ومن الأحداث المتأخرة في غرق المخطوطات الشرقية ، ما ذكره جرجي زيدان في ترجمة السمعاني اللبناني ، المتوفى سنة 1182 ه ( 1768 م ) قال إنه « تولى العمل في مكتبة الفاتيكان ، يستخرج خلاصة ما فيها ، ويهذب الكتب الدينية الشرقية . فأظهر اقتدارا في الآداب الشرقية . فكلفه البابا أن يذهب إلى الشرق ينقّب فيه عن الكتب والمخطوطات ويحملها إلى رومية . ففعل وتفقد ديور الشرق في مصر وسورية والعراق . وحمل ما وصلت اليه يده من الكتب الفلسفية واللاهوتية والتاريخية وغيرها ما لا تعرف قيمته . يقال إنه حملها في ثلاث سفن ، ومن جملتها كتب قبطية وعربية من ديور القطر المصري ، فغرق منها اثنتان ، وكانت السفينة الباقية وحدها كافية لاعجاب أهل الفاتيكان » « 2 » . دفن الكتب وهذه آفة أخرى من آفات الكتب ، مردّها الجهل ، أو التعصب ، أو قلة التدبير ، فأضاعت علينا طائفة كبيرة من التصانيف . وقد ندّد بعض كبار العلماء بسوء فعل من دفن الكتب ، وأنكروا عليه ذلك كل الانكار . ولا بأس بأن نورد كلام ابن الجوزي في هذا الصدد ، فهو على طوله ، يغنينا عن الاستشهاد بغيره من النصوص القديمة . قال : « ولقد ذاكرت بعض مشايخنا ، ما يروى عن جماعة من السادات ، انهم دفنوا كتبهم . فقلت له : ما وجه هذا ؟ فقال : أحسن ما نقول أن نسكت ! يشير إلى أن هذا جهل من فاعله . وتأوّلت أنا لهم

--> ( 1 ) تاريخ ابن خلدون ( 5 : 543 ) . ( 2 ) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ( 3 ، طبعة سنة 1931 ، ص 206 ) .