كوركيس عواد

26

خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة

وقف الكتب « وقف » الكتب ، من مستحسن الأفعال التي يقدم عليها بعض الناس ، تقربا إلى اللّه تعالى ، واكتسابا للسمعة الطيبة والذكر الحسن ، ومحافظة على كتبهم من أن تتبدد وتتبعثر بعد وفاتهم . وسيقف القارئ في مطاوي هذا الكتاب ، على أخبار شتى من هذا القبيل ، لا نرى موجبا لسردها الآن ، وانما نورد في هذا المقام بعض ما لم يرد ذكره في سياق الكتاب ، وكله ينطق بنبل هذا الموقف الانساني الذي يقفه جماعة من العلماء والأدباء ، فأضحت كتبهم الموقوفة منهلا صافيا لطلاب العلم . من ذلك أن الطبيب أبا المجد بن أبي الحكم ، المتوفى سنة وخمسمائة « 1 » ، كان يتردد إلى البيمارستان الكبير الذي أنشأه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في دمشق ، فيأتي « ويجلس في الإيوان الكبير الذي للبيمارستان ، وجميعه مفروش ، ويحضر كتب الاشتغال . وكان نور الدين رحمه اللّه قد وقف على هذا البيمارستان جملة كبيرة من الكتب الطبية وكانت في الخرستانين « 2 » اللذين في صدر الإيوان ، فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون اليه ويقعدون بين يديه ، ثم تجري مباحث طبية ويقرئ التلاميذ ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات » « 3 » . ومثل ذلك ما ذكر عن المهذب بن الدخوار الطبيب ، المتوفى سنة 628 ه ( 1230 م ) ، فقد « وقف داره وكتبه على الأطباء » « 4 » .

--> ( 1 ) كذا ما في عيون الأنباء ( 2 : 155 ) . ( 2 ) الخرستان : الخزانة . ( راجع في ذلك : Dozy , Supplement aux Dictionnaires Arabes I . 362 ) ( 3 ) عيون الأنباء ( 2 : 155 ) . ( 4 ) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة : لابن تغري بردي ( 6 : 277 طبعة دار الكتب المصرية ) .