كوركيس عواد

153

الذخائر الشرقية

فهذا العالم الجليل ، الذي وقف على الثقافات القديمة التي ألمعنا إليها ، ووضع التصانيف العديدة في العربية والسريانية ، ونقل كتبا ورسائل جمة من اليونانية والسريانية إلى العربية ، كان ولا ريب قد أحرز مكتبة واسعة حافلة بنوادر الكتب ونفائسها ، مما هو مؤلف بتلك اللغات الأربع التي كان يحسنها . ولم يسلم من مؤلفات حنين التي تعد بالمئات ، إلا النزر اليسير . فأما سائرها ، فقد امتدت إليه يد الفناء فأضاعته وخفي علينا أمره . وهذا القليل الذي انتهى إلينا منها ، قد استرعى بعضه أنظار جماعة من العلماء والمحققين ، فأقبلوا على دراسته وتحقيقه ونشره . ونود أن ننوه في هذا المقام ، بأن الباحثين العراقيين : عامر رشيد السامرائي وعبد الحميد العلوجي ، قد وضعا في الآونة الأخيرة ، مؤلفا مستفيضا في ذكر ما يعرف لحنين من تصانيف مؤلفة ومترجمة . وكتابهما هذا مرجع قويم لا يستغنى عنه في هذا السبيل . وغني عن القول أن مكتبة حنين ، كانت تحوي - فيما تحوي - مجموعة تآليف حنين نفسه ، الموضوع منها والمترجم . فضلا عن الأصول القديمة التي تولى نقلها إلى السريانية أو العربية . قال ابن أبي أصيبعة : « سافر حنين بن إسحاق إلى بلاد كثيرة ، ووصل إلى أقصى بلاد الروم لطلب الكتب التي قصد نقلها » « 1 » . وذكر القفطي في هذا الصدد أيضا ، أن حنين بن إسحاق « دخل إلى بلاد الروم لأجل تحصيل كتب الحكمة ، وتوصل في تحصيلها غاية إمكانه ، وأحكم اليونانية عند دخوله إلى تلك الجهات ، وحصل نفائس هذا العلم » « 2 » . فهذه المكتبة الحافلة بالتراث العربي واليوناني والسرياني والفارسي ، كانت من ذخائر العلم وكنوزه التي يندر أن يجود الدهر بنظائرها .

--> ( 1 ) عيون الأنباء في طبقات الأطباء : لأحمد بن القاسم الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة . تحقيق الدكتور نزار رضا . ( بيروت 1965 ؛ ص 260 ) . ( 2 ) أخبار العلماء بأخبار الحكماء . ( ص 173 ) .