كوركيس عواد
123
الذخائر الشرقية
يومئذ مكتبة واحدة ، بل حوت اثنتين : الأولى : هي هذه المكتبة العظمى التي نوّهنا بها آنفا ، وكانت في حيّ بالإسكندرية يعرف بالپروكيوم . والثانية : هي المكتبة الصغرى ، وكانت في معبد السرابيوم أحد المعابد المشهورة في تلك المدينة . وقد أسس هذه المكتبة الثانية ، على أرجح الأقوال ، بطليموس الثاني . وكان فيها أيام عزها زهاء ثلاثة وأربعين ألف كتاب من لفائف البردي . وقد مضت على دولة البطالسة أحوال ومحن هدّت كيانها ، حتى كان من أمر يوليوس قيصر ، ملك الرومان ، أن جاء الإسكندرية فاتحا . فوصل إليها في سنة ثمان وأربعين قبل الميلاد . بأسطول وجيش . وكان ممّا توسّل به هذا الفاتح لإحراز النصر ، أن أشعل النيران فيما يزيد على مائة وعشرين سفينة من الأسطول المصري الرأسي في ميناء الإسكندرية ، ليمنع بذلك أصحابه من الاستفادة منه . فعملت الريح في اتساع مدى هذا الحريق ، فأتلفت دار الصناعة ، أي صناعة السفن ، كما أحرقت ما جاورها من المباني . وذكر پلوتارك « 1 » أن من بين هذه المباني التي دمرها الحريق ، مكتبة الإسكندرية العظمى ! فكانت الكارثة قد حلّت بهذه المكتبة قبل الميلاد بنحو من نصف قرن ! ولم يكن بلوتارك أوحد المؤرخين الذين ذكروا هذا الحريق الماحق ، بل أيّده غير واحد من الكتبة اليونان الأقدمين . وذهبوا إلى أن مقدار ما التهمته النيران في تلك الحادثة ، بلغ أربعمائة ألف مجلد . وهو ما كانت تحويه مكتبة الإسكندرية العظمى . وليس من شك في أن الحريق الذي أصاب هذه المكتبة قد أضاع على العالم مؤلفات ثمينة لمؤلفين لم تصل إلينا أسماؤهم ، وأفقد الحضارة تراثا مجيدا لا يمكن أن يعوّض عنه . حدث ذلك في أيام الملكة كليوبطرة ، التي حكمت مصر من سنة 51 إلى 44 قبل الميلاد . وقد رأى القيصر الروماني أن يعوّض لها عن هذه الخسارة العلمية الفادحة ، فأهدى إليها ما يقرب من مائتي ألف مجلد ، غنمها من مكتبات ملوك برجامون اليونان . وكان هؤلاء الملوك من منافسي البطالسة في جمع الكتب واختزانها .
--> ( 1 ) كان بلوتارك كاتبا من كتاب اليونان . أرخ تراجم الرجال وغير ذلك من الموضوعات . ولد نحو سنة 50 م ، ومات نحو سنة 120 م .