كوركيس عواد

106

الذخائر الشرقية

وشركه رفيقه صبيح بن عبد اللّه عتيق نصر بن العطار في وقفه لها أيضا ، وكانت كثيرة انتفع الناس بها » « 1 » . فالشريف الزيدي ، منشئ خزانة الوقف هذه ، لم ينفرد بهذه المأثرة الجميلة ، بل شاركه فيها اثنان سارا سيرته واقتفيا خطواته في هذا المضمار : أولهما : أبو الخير صبيح بن عبد اللّه الحبشي ، المتوفى ببغداد سنة 584 ه ( 1188 م ) . كتب خطا حسنا ، وسمع كثيرا من الحديث النبوي ، وشارك الشريف الزيدي في وقف الكتب الكثيرة بدار دينار من سوق الثلاثاء . وكان صبيحا يتولى خزنها وإعارتها طلاب العلم إلى حين وفاته « 2 » . وثانيهما : أبو الخطاب العليمي ، وهو عمر بن محمد بن عبد اللّه الدمشقي ، المولود سنة 520 ه ( 1126 م ) . كان أحد التجار الذين ضربوا في الآفاق للتجارة وطلب الحديث النبوي . وقدم بغداد سنة 559 ه ( 1163 م ) ، وصارت له صحبة مع الشريف الزيدي . ثم رجع إلى دمشق مسقط رأسه ، وتوفي بها سنة 574 ه ( 1178 م ) . قال ابن النجار « سمعت أبا الفضل عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه العليمي » « 3 » يقول : لما كان أخي ببغداد يسمع الحديث ، عاهد الشريف أبا الحسن الزيدي وصبيحا النصري أن يوقف كتبه وأجزاءه ويرسلها إلى بغداد لتكون في خزانتها ببغداد . فلما مرض مرض الموت أوصى إلى بذلك . فلما توفي أنفذتها إلى بغداد إلى مسجد الشريف الزيدي قال مجد الدين : وصلت الكتب إلى بغداد بعد وفاة الزيدي فتسلمها صبيح ، وهي الآن ( 643 - 1245 م ) في خزانة الزيدي ، رحمة اللّه عليهم جميعا » « 4 » . فهذا الوقف العجيب الذي تضافر عليه ثلاثة من أفاضل عصرهم وتآزروا على إنشائه والسير به بنية صادقة ووفاق تام ، قد حمل بعض العلماء الآخرين على الاقتداء بهم ومشاركتهم في هذا الفضل العميم . منهم ياقوت الحموي المؤرخ البلداني الأديب المتوفى سنة 626 ه ( 1228 م ) ، فذكر ابن خلكان أنه « كان قد وقف كتبه على مسجد

--> ( 1 ) مجلة الحضارة ( العدد 33 ص 8 ) . ( 2 ) مجلة الحضارة ( العدد 34 ص 7 ) . ( 3 ) هو أخو عمر المذكور . ( 4 ) مجلة الحضارة ( العدد 34 ص 7 ) .