الشيخ محمد رضا الحكيمي
344
أذكياء الأطباء
فاستدعى الحكيم أبا حليقة المذكور فأعطاه شربة من ذلك الترياق . فبمقدار ما وصلت إلى معدته نفذت قوتها إلى موضع الحصاة ففتتتها وخرجت من الإراقة ، وهي مصبوغة بالدواء ، وخلص لوقته ، وخرج لخدمة سلطانه ، وأذن أذان الظهر . وكان السلطان يومئذ مخيما على جيزة القاهرة ، فلما سمع صوته أمر بإحضاره إليه ، فلما حضر قال له ما ورقتك ؟ بالأمس وصلتنا ، وأنت تقول إنك كنت على الموت فأخبرني أمرك . فقال : يا مولانا الأمر كان كذلك ، لولا لحقني مملوك مولانا الحكيم أبو حليقة ، فأعطاني ترياقا خلصت به للوقت والحال . واتفق ان في ذلك اليوم جلس إنسان ليريق ماء فنهشته أفعى في ذكره فقتلته ، فلما سمع السلطان بخبره رقّ عليه لأنه كان رؤوفا بالخلق . ثم دخل إلى قلعة القاهرة وبات بها ، وأصبح من باكر والحكيم المذكور قاعد في الخدمة عند زمام الدار على الباب . والسلطان قد خرج فوقف واستدعاه إليه ، وقال له : يا حكيم أيش هذا الترياق الذي عملته ، واشتهر نفعه للناس هذه الشهرة العظيمة ، ولم تعلمني به قط ؟ فقال : يا مولانا ، المملوك لا يعمل شيئا إلّا لمولانا ، وما سبب تأخير اعلامه إلّا ليجرّبه المملوك لأنه هو الذي أنشأه فإذا صحّت له تجربته ذكره لمولانا على ثقة منه ، وإذا قد صحّ هذا لمولانا ، فقد حصل المقصود . فقال له : تمضي وتحضر لي كلما عندك منه . وترك خادما قاعدا على الباب في انتظاره ، ورجع إلى داره كأنه لم يطلع القلعة في تلك الليلة ، ولا خرج من الدار في تلك الساعة إلّا لهذا المهم خاصّة . فمضى الحكيم المذكور إلى داره فوجد عنده من ذلك الترياق شيئا يسيرا ، لأن الخلق كانت تفنيه مما تطلبه منه فمضى إلى أصدقائه الذين كان أهدى لهم منه شيئا ، وجمع منه مقدار أحد عشر درهما ووعدهم بأنه يعطيهم عوضا عنه أضعافه ،