عمر فروخ
719
تاريخ الأدب العربي
روحي هارون ، وكليمي موسى ، * نفسي فرعون ، والهوى هاماني « 1 » . ففي هذين البيتين يمكن أن يتأتّى الدفاع عن جميع التعابير إلّا عن تعبير واحد : « كليمي موسى » . إنّ موسى كليم اللّه ، ولا يجوز لأحد أن يدّعي مثل هذا التعبير ، مهما ينتحل لنفسه من الأعذار البلاغية والرمزيّة . ولا ريب في أن محيي الدين بن عربيّ كان من الذين لا يأمنون على أنفسهم في الدولة الإسلامية التي تقيم شرائع الإسلام وحدوده ، وكان ابن عربيّ أشدّ خوفا على نفسه من جميع هؤلاء . من أجل ذلك لم تكن رحلة ابن عربيّ إلى المشرق حبّا بالرحلة فقط ، بل خوفا على النفس أيضا . أورد ابن خلّكان ( ت 681 ه ) في كتابه « وفيات الأعيان » ( 7 : 11 ) هذا المقطع : « وكان الأمير أبو يوسف يعقوب المذكور « 2 » يشدّد في إلزام الرعيّة بإقامة الصلوات الخمس ؛ وقتل في بعض الأحيان « 3 » على شرب الخمر ، وقتل العمّال « 4 » الذين تشكو الرعايا منهم . وأمر برفض فروع الفقه « 5 » وبأنّ العلماء لا يفتون إلّا بالكتاب والسنّة ولا يقلّدون أحدا من الأئمّة المجتهدين المتقدّمين ، بل تكون أحكامهم ممّا يؤدّي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس « 6 » . ولقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب ( 7 ) وصلوا إلينا ، إلى
--> ( 1 ) هارون أخو موسى بن عمران . وهامان : وزير فرعون . ( 2 ) هو يعقوب المنصور ثالث سلاطين الموحّدين ( 580 - 595 ه ) . ( 3 ) في بعض الأحيان ( يقصد في عدد من المرّات ) . ( 4 ) العامل ، في الأصل ، هو المكلّف بجمع الزكاة ( وبجمع أموال الضرائب ) . ( 5 ) في هذه الجملة « وأمر برفض فروع الفقه » نقص أدّى إلى غموض ( إذ فروع الفقه : الصلاة والصوم ، الخ ) . وهذا الغموض تبيّنه الجملة التالية : « وأن العلماء لا يفتون إلّا بالكتاب ( القرآن الكريم ) والسنّة ( أقوال رسول اللّه وأعماله ) ولا يقلّدون أحدا من الأئمّة المجتهدين المتقدّمين » . فمعنى ذلك : الرجوع في فروع الفقه ( العبادات والمعاملات ) إلى القرآن والحديث فقط من غير تقيّد في ذلك بما قاله أصحاب المذاهب ( أبو حنيفة ومالك الخ ) ممّا هو آراء لهم . ( 6 ) مصادر التشريع في الإسلام أربعة : الكتاب ( القرآن الكريم ) والسنّة ( أقوال رسول اللّه وأعماله ) والإجماع ( اتّفاق أهل الحلّ والعقد على أمر لم يرد في القرآن والحديث خلافه ) . القياس : النظر بالعقل والمنطق من مسلم كفء في أمر ( لم يرد فيه حكم في الكتاب والسنة ثم لم يتمّ فيه اجماع ) بالتنظير بين ذلك -