عمر فروخ

696

تاريخ الأدب العربي

ومن لم يخل أنّ الرياء يشينه ، * فمن مذهبي أنّ الرياء يشين « 1 » . لقد ريع قلبي للشّباب وفقده ، * كما ريع بالعلق الفقيد ضنين « 2 » ؛ وآلمني وخط المشيب بلمّتي * فخطّت بقلبي للشّجون فنون « 3 » . وليل شبابي كان أنضر منظرا * وآنق مهما لاحظته عيون « 4 » . فآها على عيش تكدّر صفوه * وأنس خلا منه صفا وحجون « 5 » . ويا ويح فودي أو فؤادي كلّما * تزيّد شيبي ، كيف بعد يكون « 6 » ؟ حرام على قلبي سكون بغرّة ؛ * وكيف مع الشّيب الممضّ سكون « 7 » ! وقالوا : شباب المرء شعبة جنّة ؛ * فما لي عراني للمشيب جنون « 8 » ! وقالوا : شجاك الشّيب حدثان ما أتى ، * ولم يعلموا أن الحديث شجون « 9 » .

--> ( 1 ) خال : ظنّ : يشين : يعيب ، يصم الإنسان بالنقص والعيب . ( 2 ) ريع ( المجهول من راع ) : أخيف ، خاف ، جزع . العلق : الشيء النفيس الذي يحرص الإنسان على الاحتفاظ به . الفقيد : المفقود ، الذي فقده صاحبه . الضنين : البخيل . ( 3 ) وخطه الشيب : اختلط الشيب بسواد شعره ( قليلا أو كثيرا ) . اللّمّة : الشعر في مقدّم الرأس . خطّت : كتبت ( بالبناء للمجهول ) . الشجون : الأحزان . ثمّ فنون : أنواع ، أصناف . ( 4 ) كان ليل الشباب ( سواد الشعر ) أنضر ( أحسن ، ألين ، أزهى ) . آنق : أجمل . مهما لاحظته عيون : مهما يكن عدد الذين يرونه ( يقصد : جميع الناس يقولون ذلك ) . ( 5 ) الأنس : السرور . خلا منه صفا ( مكان بسفح جبل أبي قبيس بمكّة ) وحجون ( جبل فوق مكّة ) ، يقصد : إذا نزل الشيب بالإنسان انتفى السرور حتّى في الأماكن التي يكثر فيها السرور ، وهو يشير بذلك إلى البيت القديم : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكّة سامر ! ( 6 ) الفود : الشعر على جانبي الرأس . ( 7 ) لا يجوز لقلبي أن يطمئنّ . بغرّة : في غفلة ( عن نتيجة تزايد الشيب في الرأس ) . الممضّ : المؤلم ( لأنّه يذكّر بقرب انتهاء الحياة ) . ( 8 ) شعبة جنّة : نوع من الجنون . عراني : أصابني . ( في الشباب يكون جنون الإنسان - إتيانه بما لا يعقل - من الفرح . أمّا في الشيخوخة فيكون جنونه من الحزن ) . ( 9 ) شجاك الشيب حدثان ما أتى ( الإعراب والمعنى غامضان ) : شجاك ( حزنك أو أحزنك ) الشيب ( فاعل ) حدثان ( بدل : الأحداث التي جاءت مع الشيب هي التي حزنتك أو أحزنتك ) . والحدثان ( بالكسر ) جمع حادث ( النائبة ، المصيبة ) . و « الحديث ذو شجون » ( فنون ، أنواع ) مثل .