عمر فروخ
636
تاريخ الأدب العربي
فإن قالوا : محلّ غلاء سعر * ومسقط ديمتي طعن وضرب ؛ فقل : هي جنّة حفّت رباها * بمكروهين من جوع وحرب . - قال في الوقوف على أطلال الأحبّة : يا صاحبيّ - وما البخيل بصاحبي - * هذي الديار ، فأين تلك الأدمع « 1 » ؟ أتمرّ بالعرصات لا تبكي بها ، * وهي المعاهد منهم والأربع « 2 » . هيهات ! لا ريح اللّواعج بعدهم * رهو ، ولا طير الصّبابة وقّع « 3 » . يا سعد ، ما هذا المقام وقد مضوا ؟ * أتقيم من بعد القلوب الأضلع « 4 » ! جاروا على قلبي بسحر جفونهم ؛ * لا زال يشعبه الأسى ويصدّع « 5 » . وأبى الهوى إلّا الحلول بلعلع . * ويح المطايا ، أين منها لعلع « 6 » ! لم يدر أين ثووا فلم يسأل بهم * ريحا تهبّ ولا بريقا يلمع « 7 » . وكأنّهم في كلّ مدرج ناسم ؛ * فعليه منهم رقّة تتضوّع « 8 » فإذا منحتهم السلام تبادرت * تبليغه عنّي الرياح الأربع ! - وقال في فناء اللذّات إلّا قليلا منها : وما بقيت من اللّذّات إلّا * محادثة الرجال على الشراب ، ولثمك وجنتي قمر منير * يجول بخدّه ماء الشباب .
--> ( 1 ) هذه ديار الأحبة ( ومن عادة الزائر أن يبكي إذا لم يجد أحبابه في ديارهم ) ، فأين الأدمع ( أدمعي أنا : لماذا لا أبكي ) . ( 2 ) العرصة : الفسحة أمام الدار . المعهد والربع : المكان المعدّ للسكن . ( 3 ) اللاعج : النار المتوقّدة ( نار الحبّ في القلب ) . رهو : ساكن ، هادئ . الصبابة : الحبّ . وقّع جمع واقع : موجود على غصن أو في وكره . - سيكون حزني بعد فراقهم شديدا ، ولن أتمتّع بحبي . ( 4 ) يا سعد ( الشاعر يخاطب رفيق سفره ) ، لماذا نظلّ واقفين وأهل الدار قد رحلوا ؟ ( 5 ) شعب وصدع : شقّ . الأسى : الحزن . ( 6 ) الهوى : الحبّ ، المحبوب . لعلع اسم مكان ( يكني به الشاعر عن البعد ) . ( 7 ) ثوى : استقرّ ، أقام ، سكن . ( 8 ) مدرج ناسم : المكان الذي تهبّ عليه الريح فتترك عليه علامات من هبوبها . - كأنّهم يسكنون في كلّ مكان ، ففي كلّ مكان تجد رائحتهم الطيبة رقة ( كذا في المغرب 2 : 319 ) .