عمر فروخ
517
تاريخ الأدب العربي
توصّل إبليس بها في هبوطه * إلى الأرض من عدن ففارقها سخطا « 1 » . أمتّ بها حيّا وسوّدتّ أبيضا ، * وأسرفت في قلع السواد فما أبطا « 2 » . وأحييت تلك الأرض من بعد موتها * بريّ ، وكانت تشتكي الجدب والقحطا « 3 » . كأنّ العيون الثابتات بخصرها * عقدن نطاقا أو على جيدها سمطا « 4 » . كأنّ من البدر المنير مشابها ، * ومن أنجم الجوزاء في أذنها قرطا « 5 » ظفرت بها بالنفس من جسم أمّها * كما ظفرت بالقلب في صدره لقطا « 6 » . وأرضعتها بالدرّ من ثدي بنتها * فعاشت ، وكانت قبل ماتت به غبطا « 7 » . فحلّت به روح الحياة كأنّما * مزجت لها في ذلك الدّرّ إسفنطا « 8 » . وصيّرتها بنتا ، وصيّرت بنتها * لها مرضعا . فاعجب لمرضعة شمطا « 9 » ! فحالت هناك البنت والأمّ فضّة * فتى لم يزاحمه العذار ولا خطّا « 10 » .
--> ( 1 ) عدن : الجنّة . هذه الليّنة الأعطاف ( الكيمياء ، راجع البيتين السابقين ) تستطيع فعل كلّ شيء . استخدمها إبليس حتّى نزل من الجنّة إلى الأرض ثمّ أبغضها ( لأنّه استخدمها في غير وجهها وأراد أن ينفع نفسه فأضرّ بنفسه ) . ( 2 ) أنا أيضا فعلت بها أشياء : أحييت ميّتا ( جعلت الرصاص الميّت : الرخيص الخسيس الذي لا قدر له ) فضّة حيّة ( ثمينة شريفة ) ، وجعلت الأشياء السّود بيضا والأشياء البيض سودا ( كلّ شيء ) . ( 3 ) تلك الأرض : المعدن الخسيس ( كالرصاص والنحاس ) . الرّي : الإسقاء ( المعالجة بالماء ) . ( 4 ) إنّ عيون المعجبين ( بضمّ الميم وفتح الجيم ) ثبتت ( في النظر إلى خصرها النحيل ) حتّى كأنّ تلك العيون قد أصبحت سمطا ( خيطا فيه حبّات من اللؤلؤ : كناية عن العيون ) أو حول جيدها ( مكان العقد من عنقها ) . ( 5 ) السائل الكيماوي ( الذي يقلب المعادن الخسيسة فيجعلها شريفة ) : جميلة فيها أشياء تشبه البدر . . . ( 6 و 7 و 8 و 9 و 10 ) يصف الشاعر هنا طريقة العمل بالكيميام : يأخذ المعدن ( الشريف ) فيستخرج روحه منه ( يستخرج أكسير الذهب من الذهب ، فكأنّ الذهب أمّ وأكسير الذهب بنت ولدت منه ) . والذهب إذا أخذنا منه الإكسير لا يبقى ذهبا بل يصبح معدنا خسيسا . أعود حينئذ إلى ذلك المعدن الذي مات ( وإلى أمثاله من المعادن كالرصاص والنحاس والخارصين والجبس ) فأرضعه ( أسقيه ) من هذا الإكسير فيصبح حيّا ( ذهبا ) .