عمر فروخ
51
تاريخ الأدب العربي
من درّ البيان وجمانه . توغّل في شعاب البلاغة وطرقها ، وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها . لا يقاومه عمرو بن بحر ولا تراه يغترف إلا من بحر . . . . . . » ، وأمّا أحكامه التي تنطوي على شيء من الفائدة فقوله في أبي حفص أحمد بن برد ( المطمح 24 ) : « وأبو حفص هذا بديع الإحسان بليغ القلم واللسان ، مليح الكتابة فصيح الخطابة . وله رسالة السيف والقلم وهو أول من قال بالفرق بينهما . وشعره مثقّف المباني . . . . » . وعرض ابن خفاجة ( ت 533 ه ) في مقدمة ديوانه لشيء من النقد المنظّم فاعتمد في تقديم الشاعر على ما في شعره من جزالة ورقّة . ثم هو يرى أنّ الشعر قائم في الأصل على التخييل ( على الزيادة فيما يرى الشاعر في الواقع ) وليس في ذلك شيء من الكذب ضرورة . وابن خفاجة أميل إلى الأخذ بالجانب الفنّي ( جمال التعبير وغرابته ) منه إلى الجانب الأخلاقي ( موافقة الشاعر في أقواله لعادات زمانه ومكانه ) لأنه يذهب إلى أن الشعر تعبير عن الواقع الشخصي للشاعر نفسه . ولأبي الطاهر الاشتركويي ( ت 538 ه ) أحكام ساقها في مقامتين له : أحكام عامّة قليلة الفائدة جمع أكثرها من أقوال الذين سبقوه ( راجع ترجمته ) . ومع أن ابن بسّام ( ت 542 ه ) صاحب « الذخيرة » قد سار في تعريف الشعراء على خطى الفتح بن خاقان أو قريبا من ذلك في النثر الأنيق المسجوع ، فإن في كتابه « الذخيرة » أسسا للنقد متفرقة لا نجد فيها شيئا من الابتكار . كان ابن بسّام يريد إبراز بدائع الأدب الأندلسي لوما لأولئك الذين يرون الإحسان في شعر المشارقة وحدهم . ثم إنه يميل إلى الجانب الأخلاقي في الشعر فيحمل على الهجاء ويهمل إيراد ما قبح منه . وأما كره ابن بسّام للإكثار من المعاني الفلسفية في الشعر ونفوره من الاستعارات البعيدة ثم استحسانه الإشارة إلى الأحوال دون التفصيل فيها إلى جانب مدحه للبديهة والارتجال فأشياء مشهورة عند ابن رشيق ( ت 456 ه ) . وابن بسام لا يفسح في كتابه الواسع مكانا للموشّحات . أما الذي قصد إلى النقد في هذا العصر ثم توفّر عليه فكان ابن عبد الغفور الكلاعي ( ت 543 ه ) في كتابه إحكام صنعة الكلام » ، مع العلم بأنّ هذا الكتاب