عمر فروخ

277

تاريخ الأدب العربي

الغريب « 1 » أن تعود بدوره أهلّة وتصبح بحاره ثمادا مضمحلة « 2 » مع كثرة أدبائه ووفور علمائه ؛ وقديما ضيّعوا العلم وأهله « 3 » ، ويا ربّ محسن مات إحسانه قبله . وليت شعري ، من قصر العلم على بعض الزمان وخصّ أهل المشرق بالإحسان ! وقد كتبت لأرباب هذا الشان « 4 » ، من أهل الوقت والزمان ، محاسن تبهر « 5 » الألباب وتسحر الشعراء والكتّاب ؛ ولم أعرض لشيء من أشعار الدولة المروانية ولا المدائح العامرية « 6 » ، إذ كان ابن فرج الجيّانيّ قد رأى رأيي في النّصفة وذهب مذهبي في الأنفة « 7 » فأملى في محاسن أهل زمانه كتاب الحدائق معارضا لكتاب الزّهرة للأصفهانيّ ، فأضربت أنا عمّا ألّف ولم أعرض لشيء ممّا صنّف ، ولا تعدّيت أهل عصري ممّن شاهدته بعمري « 8 » أو لحقه بعض أهل دهري ، إذ كلّ مردّد ثقيل وكلّ متكرّر مملول . وقد مجّت الأسماع « يا دار ميّة بالعلياء فالسّند » وملّت الطباع « لخولة أطلال ببرقة ثهمد « 9 » . . . . . والإحسان غير محصور ، وليس الفضل على زمن بمقصور . وعزيز عليّ الفضل أن ينكر ، « 10 » تقدّم به الزمان أو تأخّر ؛ ولحى « 11 » اللّه

--> ( 1 ) الغريب : العجيب ، الطريف ، المستحسن . ( 2 ) تعود بدوره أهلّة : تنحطّ مكانته ويقلّ قدره . الثماد : الماء القليل المتبقّي من مطر أو غيره . اضمحلّ : انحلّ ، ذهب ، تلاشى . ( 3 ) الوفور : الكثرة . وقديما ضيّعوا العلم وأهله : كان ( الأندلسيّون ) من قبل قد أهملوا علوم قومهم حتّى ضاعت تلك العلوم . ( 4 ) لأرباب ( أصحاب ) هذا الشأن ( الأمر ) : المهتمّين بالأدب الأندلسيّ . ( 5 ) تبهر : ( يغلب نورها ) الألباب ( العقول ) : ( تجعل الناس يتعجّبون من جمالها ) . ( 6 ) دولة بني مروان بدأت بعبد الرحمن الداخل ( سنة 138 ه ) وسقطت سنة 422 ه . ودولة المنصور بن أبي عامر ( في الوزارة والاستبداد بالأمر دون الخليفة ) ، سنة 366 ثمّ استمرّت في أولاده وأحفاده ومواليه إلى نحو 470 ه . ( 7 ) النصفة : الانتصاف ( أن يسترد الإنسان حقّه المشروع أو يحصل عليه بداءة ) . الأنفة : الاستنكاف ، إباء ( رفض ) الذل . ( 8 ) بعمري : في زماني ، طول عمري . ( 9 ) « يا دار ميّة » مطلع معلّقة النابغة ، و « لخولة أطلال » مطلع معلّقة طرفة ( يقصد : ملّ الناس الأدب القديم ) . ( 10 ) يعزّ ( يصعب ) عليّ أن ينكر إنسان فضل غيره . ( 11 ) لحى : لعن .