عمر فروخ
27
تاريخ الأدب العربي
( ضبط الكلمات بالحركات ) ومن علامات الوقف ( إشارات التنقيط ) كي يترك محقّق الكتاب للقارئ حرّيّة اختيار « القراءة » الموافقة بحسب اجتهاد القارئ . وكانت الكتب الكبيرة ( العديدة الأجزاء ) يتولّى نشرها في العادة بضعة نفر . فكتاب الطبريّ في التاريخ : « تاريخ الرّسل ( أو الأمم ) والملوك » ، مثلا ، أشرف على تحقيقه المستشرق ده خويه الهولنديّ ( فهو محرّر الكتاب أو المشرف على تحقيقه ) . وقد عاونه في هذا التحقيق نفر من المستشرقين منهم نولدكه الألمانيّ وغويدي الإيطالي وهوتسما الهولنديّ وغيرهم . ومحقّقو « تاريخ الطبريّ » لم يكتفوا بإبراز النصّ ، بل استعرضوا القراءات المختلفة في المخطوطات العديدة . ثمّ إنهم تولّوا ضبط كثير من الكلمات ( وخصوصا في الأشعار ) بالحركات . فليس من الحكمة أن نترك الحريّة المطلقة لكلّ قارئ في اختيار القراءة التي يريدها ( وإن كان الفرد بعد الفرد من القرّاء العلماء لا يحتاج إلى هذا الضبط . وربما كان مثل هذا الضبط لمثل هذا الفرد حجرا على علمه ودرايته ) . غير أنّ محقّقي تاريخ الطبريّ كانوا يستحقّون الشّكر على تلك التّبعة التي حملوها في ضبط أقسام من نص الكتاب بالحركات . ولقد أطلت الكلام - من قبل في هذه المقدّمة - على الأخطاء العارضة في نشر كتب التّراث العربيّ ، ولكن لا بدّ من التنبيه على نقطة أخرى هنا . لم يبق هنالك ريب في حملة الاستعمار على المسلمين في كلّ وجه من وجوه حياتهم حتّى وصلوا إلى « الشهادات » يعطونها لنفر منّا ثمّ يطلقون أيديهم في حضارتنا وثقافتنا ليخربوا حضارة قومنا وثقافة قومنا بأيديهم . ويتولّى « تخريج » هؤلاء النفر مستشرقون نعرف كتبهم فلا يستحقّون بها شهادة عاديّة . حضرت مؤتمرا في أوروبّة ( عام 1979 ) فألقى بعض المستشرقين مقالا في « العلوم عند العرب » . لم يكن في هذا المقال شيء من العلم ( إذ يبدو أن ذلك المستشرق لم يكن « حصانا » في الرياضيّات ) ، ولكن كان فيه كثير من الحقد والتحامل . ولقد رددت على هذا المستشرق بجملة واحدة ، فقلت له : أنا أعلّم تاريخ العلوم عند العرب لطلّاب البكالوريا اللّبنانيّة . ولو أنّ طالبا عندي كتب مثل هذا المقال الذي قرأته