عمر فروخ

568

تاريخ الأدب العربي

الملكة . وله الفخريّات التي لا تعارض والأسريّات التي لا تناهض . وأمّا المتنبّي فقد شغلت به الألسن وسهرت في أشعاره الأعين . وكثر الناسخ لشعره والآخذ لذكره والغائص في بحره والمفتّش في قعره عن جمانه ودرّه . وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف . وله شيعة تغلو في مدحه ، وعليه خوارج تتغايا في جرحه . والذي أقول إنّ له حسنات وسيّئات ، وحسناته أكثر عددا وأقوى مددا . وغرائبه طائرة وأمثاله سائرة ، وعلمه فسيح وميزه صحيح . يروم فيقدر ، ويدري ما يورد ويصدر . . . . وأمّا ابن درّاج الأندلسيّ القسطلّي فشاعر ماهر عالم بما يقول ، تشهد له العقول بأنّه المؤخّر بالعصر المتقدّم في الشّعر . حاذق بوضع الكلام في مواضعه ، لا سيّما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة وشكا ما دهاه في أيام المحنة . وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه في أبعد زمانه وأقربه . . . - وقال أبو عبد اللّه بن شرف يصف أهل القيروان وقد جلوا عن القيروان بعد أن هاجمها العرب ( البدو ) وخرّبوها : ترحّل عنها قاطنوها ، فلا ترى * سوى سائر أو قاطن وهو سائر « 1 » . تكشّفت الأستار عنهم ، وربّما * أقيمت ستور دونهم وستائر « 2 » . تبيت على فرش الحصى ، وغطاؤها * دوارس أسمال زوار حقائر « 3 » . فيا ليت شعر القيروان مواطني ، * أعائدة فيها الليالي القصائر ! « 4 » ؟ ويا روحتي بالقيروان وبكرتي ، * أراجعة روحاتها والبواكر ؟ كأن لم تكن أيّامنا فيك طلقة * وأوجه أيّام السرور سوافر « 5 » .

--> ( 1 ) القاطن : الساكن في البلد أو المنزل . وهو سائر ( راحل . مهاجر ) . ( 2 ) انكشف عنه ستر ( اللّه ) : افتضح بين الناس وظهرت معائبه إلخ أقيمت ستور دونهم ( كناية عن حفظ كرامتهم ) وستائر ( كناية عن احتجابهم عن العامة لعلو منزلتهم ) . ( 3 ) فرش ( بضم فضم - وهنا بضم فسكون لضرورة الشعر ) . الحصى : صغار الحجار . السمل ( بفتح ففتح ) : الثوب البالي المتهرى . الدارس ( الممحوّ ) : القديم المتهرى . زوار جمع زارية ( ؟ ) : تكسب صاحبها عيبا ( ؟ ) . ( 4 ) المواطن جمع موطن . قصائر جمع قصيرة . ( 5 ) الوجه الطلق : البشوش ، الضاحك ، الفرح . والوجه السافر : المشرق ، المضيء .