عمر فروخ
427
تاريخ الأدب العربي
من القفل إلى البيت ومن البيت إلى القفل » . فالموشحات إذن نشأت من حاجة المغين إلى كلام يسايرون به الألحان . إنّ المشارقة كانوا إذا أعجبوا بشعر دفعوه إلى مغن يسكب عليه لحنا موافقا . وبما أن بحور الشعر العربي المختارة محدودة ، فإنّ الألحان التي كانت تسكب على المقطعات العربية ظلّت أيضا محدودة . أما الأندلسيون فكانوا يلقون آذانهم إلى الألحان ثم يؤلفون عليها الكلمات . وبما أن الألحان التي يمكن استخراجها غير متناهية نظريّا وعمليّا ، فإن أوزان الموشحات التي نظمت كانت كثيرة الاختلاف عدّ منها مارتن هارتمانّ مائة وستّة وأربعين مزيجا سمّى كل مزيج منها بحرا « 1 » . والتوشيح الصحيح فنّ صعب ، فإنّ على الوشّاح أن يكون موسيقيّا قبل أن يكون شاعرا ؛ والعزف على الآلة الموسيقيّة هو الميزان الصحيح لبراعة الوشّاح . وقد شرح ابن سناء الملك ذلك ثم ضرب عليه مثلا وقال : « وأكثرها مبنيّ على تأليف الأرغن . والغناء بها على غير الأرغن مستعار وعلى سواه مجاز » . ومن الموشّحات قسم يستقلّ به التلحين ولا يفتقر إلى ما يعينه عليه وهو أكثرها ؛ وقسم لا يحتمله التلحين ولا يمشي به إلّا بأن يتوكأ على لفظة لا معنى لها تكون دعامة للتلحين وعكّازا للمغنّي ، كقول ابن بقي : من طالب ثار قتلي ظبيات الحدوج فتّانات الحجيج ، فإن التلحين لا يستقيم ( في هذه الموشحة ) إلا بأن يقول ( المغني ) « لا لا » بين الجزءين الجيميين من هذا القفل . فنّ الموشّح : قال ابن بسّام الشنترينيّ في الموشّح كلمة جامعة هي ( الذخيرة 1 : 468 - 470 ) : « . . . وكان أبو بكر ( عبادة بن ماء السماء المتوفى نحو سنة 422 ه ) في ذلك العصر شيخ الصناعة وإمام الجماعة : سلك إلى الشعر مسلكا سهلا ، فقالت له غرائبه :
--> ( 1 ) Das arabische Strophengedicht 121 - 208