عمر فروخ
423
تاريخ الأدب العربي
ازدرى أهل الأدب الفصيح والمعنيّون بأمره ( أي بأمر الأدب الفصيح ) هذا الطراز الجديد ، بينما مضى الناس جميعا يتناقلون مقطّعاته سرّا بينهم . وذاع أمره داخل البيوت وفي أوساط العوامّ . وما زال أمره يعظم والإقبال عليه يشتدّ حتّى أصبح في يوم من الأيام لونا من الأدب . وقد أخذ هذا الطراز الجديد من الأدب الشعبيّ صورتين : إحداهما الزجل والثانية الموشّحة » . هذه نظرية ساذجة لا شكّ في أنّ صاحبها قد وضعها في مطلع حياته الفكرية ( وأرجو أن يعيد القارئ تلاوة الأسطر الخمسة السابقة كي يدرك أن صاحب هذه النظرية - وإن كان اسمه ريبيرا الإسبانيّ - قد غفل عن عدد من العوامل التاريخية واللغوية والأدبية من تلك التي تعمل في تطوّر الحضارة وفي نشوء الثقافات ) . - ولعلّ الاستغراب يبلغ ذروته إذا قرأ جملة ريبيرا : « بينما مضى الناس جميعا ( كذا ) يتناقلون مقطعاته ( أي مقطعات الموشح ) سرّا ( كذا ) بينهم . وذاع أمره داخل البيوت وفي أوساط العامة . لا شك في أن ريبيرا قد كتب ذلك قبل أن يتحلى رأسه بشيء من الشعر الأبيض ! ومن المؤسف حقّا أن يكون في العرب نفر قد تمسكوا بهذه النظرية الساذجة البعيدة عن مدرك الاتّساق في تعاقب أحداث التاريخ وعن المنطق في تعليل تلك الحوادث وعن الواقع المشاهد : كيف يرى المتعلّقون بهذه النظرية أنّ نوعا من الأدب بلغ تمامه في القرن الرابع ( العاشر للميلاد ) - أو قبل ذلك - كما يقولون ، على يد مقدّم ابن معافى القبريّ من شعراء الأمير عبد اللّه المروانيّ ( 275 - 300 ه ) قد أخذ من شعر أو غناء بلغة لم تكن قد نشأت بعد « 1 » ؟ لا أريد الجدال في هذا الوجه السلبي من الموضوع لأنّني سأورد الأوجه الإيجابية بالتفصيل .
--> ( 1 ) انظر ، تحت : « نشأة الآداب الرومانسية » .