عمر فروخ

397

تاريخ الأدب العربي

الإسلام أغرق العصبيّات كلّها ، وثانيهما أن طريقة التعليم في الأندلس كانت تقوم على دراسة التراث العربي المتقدّم من القرآن والفقه والشعر الجاهليّ والتاريخ العربي والحياة المشرقية - مع الرحلة أحيانا كثيرة إلى المشرق نفسه - قبل التوفّر على وجه من وجوه الاختصاص المختارة . هذان العاملان جعلا من الأندلسيّ مسلما في عقيدته على سمت واحد ، حتى إنه لم يسد في المغرب ( من عدوة إفريقية ومن عدوة أوروبة ) إلّا مذهب واحد هو المذهب المالكيّ . وكذلك بلغ رسوخ اللغة العربية في النفوس مبلغا جعل نصارى الأندلس - وهم بطبيعة الحال غير عرب وغير بربر ، بل جرمان ( قوط ) ولاتين وجلّيقيون - يتعربون ويتقنون العربية وينثرون فيها وينظمون . بلغ النتاج الأدبي في عصر ملوك الطوائف - في مدى جيلين : نحو ستّيز عاما أو تزيد قليلا - مبلغا كبيرا في المقدار وفي البراعة والتفنّن والجودة . ومع العلم اليقين بأنّ الفنون الأندلسيّة ما زالت هي الفنون العبّاسية : المدح والرثاء والهجاء والغزل والخمر والوصف والزهد وما إلى ذلك ، ومع أن الأغراض : وصف الخمر ووصف القصور ووصف الجنائن ووصف السماء ونجومها ظلت كما كنّا نرى عند أبي نواس والبحتريّ وابن الرومي وابن المعتزّ العباسيّين ، فإنّ الأندلسيّين عالجوا هذه الفنون وهذه الأغراض نفسها معالجة جديدة من حيث المقدار لا من حيث النوع : لقد أكثروا من التشخيص ( إضفاء صفات الأحياء على الكائنات الجامدة ) ومن سعة الخيال . أمّا فيما عدا ذينك ، فإنّ النفس المشرقيّ العربيّ والأثر المشرقي الفارسي - من خلال النفس العربي - ظلّا يسريان في الأدب الأندلسيّ . من ذلك مثلا قول المعتضد بن عباد ( مختارات نيكل 76 ) : فإن أردت ، إلهي ، بالورى حسنا * فملّكنّي زمام العرب والعجم وقول المعتمد بن عبّاد يفتخر بعشيرته ( الحلة السيراء 2 : 156 ) :