عمر فروخ
391
تاريخ الأدب العربي
- أوجه الحضارة : كان عصر ملوك الطوائف عصر تفكّك اجتماعيّ وضعف سياسيّ ، ولكنّه كان أيضا عصر زهو حضاريّ ورقيّ ثقافيّ . إنّ أوّل ما يلفت نظرنا في عصر ملوك الطوائف اضطراب الحياة الاجتماعيّة بالفتن الداخلية : بالمنازعات بين العرب والبربر وبالاقتتال بين ملوك الطوائف وبالحروب بين المسلمين والنصارى . في أثناء ذلك كلّه كان السكان يخضعون لهجرات إجبارية أو اختيارية : هجرات داخلية بين مدن الأندلس ينتقلون في أثنائها من مدينة يظنّونها أقلّ أمنا أو مغانم إلى مدينة يظنونها أكثر سلامة وأوفر ربحا . وقد تكون الهجرة خارجية فيغادر الأندلسيون مدنهم إلى المغرب ، وخصوصا حينما يستولي الإسبان النصارى على المدن الأندلسيّة . ولقد نشأ في أثناء ذلك كلّه نفر من المسلمين أنفسهم انتحلوا المغامرة والشطارة وتنقّلوا بين المدن المنكوبة يسلبون وينهبون وربّما قتّلوا وخرّبوا . وملوك الطوائف الذين كانت مصادر أموالهم قليلة - لضيق الأرض التي كانوا ملوكا عليها - عمدوا إلى إثقال كاهل رعاياهم بالضرائب حتّى يتمكّنوا من الإنفاق على وجوه ترفهم من البناء والمتاع واللّهو وعلى الغزو ، ممّا يضطرّ إليه في العادة عظماء الملوك . ومع هذا كلّه ، فإنّ الحضارة في عصر ملوك الطوائف قد استبحرت - على ضيق المكان وقلّة عدد السكّان - ممّا يدلّ على غنى البلاد وخصب الأرض . إنّ الزراعة في الأندلس كانت عماد الثروة الوطنية . وإنّ المرء ليعجب حينما يرى دولة كدولة بني عبّاد في إشبيلية أو دويلة كدويلة بني ذي النون في طليلطلة تنشئ القصور والجنائن وتستكثر من الرقيق وتغالي في اقتناء الجواهر والثياب ويشتري أحدهم الجارية بثلاثة آلاف دينار . ولم يكن هذا الترف قاصرا على الحكّام ، بل كان المحكومون أيضا على مثل هذا الترف والإسراف . وومض في عصر ملوك الطوائف بارقان ضعيفان : التشيّع والشّعوبية . كان بنو حمود ملوك قرطبة ينتسبون - حقا أو باطلا - إلى بني هاشم قوم