عمر فروخ

389

تاريخ الأدب العربي

في هذه الأثناء كان الحكم على القطر التونسي للمعزّ بن باديس الصنهاجي ( 406 - 453 ه ) ، وفي عهده ازدهرت الزراعة والصناعة واتّسعت الحضارة ونمت الثروة وعمّت الرفاهية وكثر العمران ونشطت الحركة الفكرية والحركة الأدبية . وعلا صيت المعزّ الصنهاجي فهادنته الملوك وهادته من السودان ( الغربي ) ومن مصر ومن القسطنطينية ، بين سنة 423 وسنة 426 ( 1032 - 1035 م ) . إلى ذلك الحين كانت إفريقية ( القطر التونسي ) لا تزال على وفاق مع الفاطميّين أصحاب مصر ، وكان المذهب الفاطمي ( المذهب الشيعي المتطرّف سياسيا ودينيّا ) سائدا فيها . ولكن في سنة 435 ( 1043 م ) حدثت نقمة على أشياع الفاطميين ثمّ اتّسعت فأصبحت فتنة فلم يستطع المعزّ وقف القتال فيها ثمّ اضطرّ إلى مجاراة الرعيّة في اتّجاهها فخلع طاعة العبيديّين ( الفاطميّين ) وردّ البلاد إلى مذهب الإمام مالك ثمّ حوّل الخطبة ( الدعوة يوم الجمعة على المنابر ) من الفاطميين ( خلفاء القاهرة ) إلى العبّاسيّين خلفاء بغداد ، سنة 439 ( 1047 - 1048 م ) . وغيظ الفاطميّون فسرّجوا إلى إفريقية عددا من القبائل البدوية ، كانت في ذلك الحين في صعيد مصر ، منها بنو هلال وبنو سليم وبنو رياح وبنو زغبة - نحو أربعمائة ألف - فانساح هؤلاء في الشّمال الافريقيّ من برقة ( شرقيّ ليبيا ) إلى القطر التونسي ثم إلى القطر الجزائري فتوغّلوا فيه حتى بلاد مزاب في الداخل وحتّى الشواطئ الشّمالية الشرقية . وجهد المعزّ في مقاومتهم وصدّهم فلم يستطع . وفي رمضان من سنة 449 ( خريف 1057 م ) انتشر بنو هلال « ومن انضمّ إليهم من بطانة السوء في أرجاء إفريقية فعاثوا فيها فسادا وتخريبا ونهبا واستباحوا القيروان حتى أصبحت حاضرتها الزاهرة أثرا بعد عين » ( خلاصة تاريخ تونس 94 - 95 ) . ثم نفذت هذه القبائل إلى القطر الجزائري ، سنة 457 ( 1065 م ) فحرص الناصر ابن علناس ، خامس ملوك الدولة الحمّادية ، - وكان أشهر ملوك هذه الدولة وأعلاهم شأنا ، وفي أيامه استفحل ملك بني حمّاد - على ردّهم فلم يستطع فنجا منهم إلى مدينة