عمر فروخ
345
تاريخ الأدب العربي
ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره . ونجد الشعراء الحذّاق تقابل كلّ زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله بعد ، وإلّا تخرج ( اقرأ : خرجت ) عن حسن الاستواء وحدّ الاعتدال وجودة الصنعة . وربّما استعملت في بلد ألفاظ لا تستعمل كثيرا في غيره ، كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس في أشعارهم ونوادر حكاياتهم . والذي أختاره أنا التجريد والتحسين الذي يختاره علماء الناس بالشعر ، ويبقى غابره على الدهر ويبعد عن الوحشيّ المستكره ويرتفع عن المولّد المنتحل « 1 » ويتضمّن المثل السائر والتشبيه المصيب والاستعارة الحسنة . . . الشعر أصناف : فشعر هو خير كلّه ، وذلك ما كان من باب الزهد والمواعظ الحسنة والمثل العائد على من تمثّل به بالخير وما أشبه ذلك ؛ وشعر هو ظرف كلّه ، وذلك القول في الأوصاف والنعوت والتشبيه وما يفتنّ « 2 » به من المعاني والآداب ؛ وشعر هو شرّ كلّه ، وذلك الهجاء وما تسرّع به الشاعر إلى أعراض الناس ؛ وشعر يكتسب به ، وذلك أن يحمل ( الشاعر ) إلى كلّ سوق ما ينفق فيها ويخاطب كلّ إنسان من حيث هو ويأتي إليه من جهة فهمه . . . 4 - * * العمدة لابن رشيق ( في أماكن كثيرة مختلفة ) ؛ تاريخ النقد الأدبي عند العرب لاحسان عبّاس 440 - 444 ؛ مجمل تاريخ الأدب التونسي 111 - 114 ؛ مجلّة الفكر ( تونس ) تموّز ( جويليه ) 1959 م ، ص 5 - 8 . عبد العزيز الخشني القيرواني 1 - عبد العزيز بن أبي سهل الخشنيّ الضرير القيروانيّ النحويّ المعروف بابن البقّال الضرير من أهل القيروان تصدّر فيها لتعليم اللغة والنحو والأدب والشعر . وكان باديس بن المنصور بن بلكّين ( 386 - 406 ه ) يحترمه ويكرمه جدّا . وقد توفّي
--> ( 1 ) المولّد المنتحل ( هنا ) : الكلام المأخوذ من لهجات غريبة ثمّ لم يجر آخذه في صوغه على مقاييس العرب . ( 2 ) افتنّ الرجل في القول : أتى بأفانين ( بأنواع ) منه مختلفة ( وفاتنة : جميلة ) .