عمر فروخ
302
تاريخ الأدب العربي
ولم تزل الأئمّة من الصحابة ومن تلاهم من التابعين يحضّون على تعلّم العربية وحفظها والرعاية لمعانيها إذ هي من الدين بالمكان المعلوم : فبها أنزل اللّه كتابه المهيمن على سائر كتبه ، وبها بلّغ رسوله عليه السلام وظائف طاعته وشرائع نهيه . وكذلك كانوا يحضّون على رواية الشعر الذي هو حكمة العرب في جاهليّتها وإسلامها ، وديوانها الذي أقامته مقام الكتاب « 1 » لما تقدّم من مآثرها وأيامها ، فكانوا يتناشدونه في مجالسهم ويتذاكرون به في محافلهم . . . وإن أمير المؤمنين الحكم المستنصر باللّه - رضي اللّه عنه - لما اختصّه اللّه به ومنحه الفضيلة فيه من العناية بضروب العلوم والإحاطة بصنوف الفنون ، أمرني بتأليف كتاب يشتمل على ذكر من سلف من النحويّين واللّغويين في صدر الإسلام ثمّ من تلاهم من بعد . . . إلى زماننا هذا ، وأن أطبّقهم « 2 » على أزمانهم وبلادهم بحسب مذاهبهم في العلم ومراتبهم ، و ( أن ) أذكر مع ذلك موالدهم وأسنانهم ومدد أعمارهم وتاريخ وفاتهم على قدر الإمكان في ذلك ، وبحسب الإدراك له ، وأجلب جملة من نتف أخبارهم والحكايات المتضمنة لفضائلهم المشتملة على محاسنهم ليكون ذلك شكرا لجميل سعيهم وحميد مقامهم ، إذ كان ذلك من حقّهم على من أدّوا إليه علمهم وأعملوا في صلاحه جهدهم ، وكان في تقييد أخبارهم وتخليد مآثرهم ما يبقي لهم لسان الصدق الذي هو بدل البقاء والخلد . . . - لأبي بكر الزبيدي مقطّعات فيها لفتات بارعة . من هذه المقطّعات : أبا مسلم ، إنّ الفتى بجنانه * ومقولة لا بالمراكب واللّبس « 3 » وليس ثياب المرء تغني قلامة * إذا كان مقصورا على قصر النفس « 4 » .
--> ( 1 ) الكتاب : الكتابة والتدوين . ( 2 ) أجعلهم طبقات ، جماعات متقاربة في الزمن أو في المرتبة . ( 3 ) الجنان ( بالفتح ) : القلب ( العلم ، الشجاعة ، الخير الخ ) . المقول : اللسان ( حسن التعبير ، الكلام الجميل ) . المركب ( الدابّة ) : البرذون ( بكسر الباء وفتح الذّال ) : البغل ، الحصان ، الخ . اللبس ( بالكسر ) : ما يلبس ، الكسوة ، الثوب . ( 4 ) تغني : تفيد . قلامة : ما يقطع عادة من الظفر . قصر النفس : على مقياس الجسم لدفع الحرّ أو البرد ( ؟ ) .